PDA

عرض كامل الموضوع : كتاب هام جدا : سنوات صدام - تأليف المترجم الخاص للرئيس صدام


عبودي 1
05-03-2006, 01:01
إنها الأوامر فلا داعي للنقاش!، سلسلة من الأخطاء الفادحة والتصرفات الارتجالية في مؤسسة الرئاسة
سنوات صدام ـ الحلقة الاولى

تأليف : سامان عبدالمجيد

حتى آخر لحظة، ظننتُ أن الحرب قد لا تنشب، فبعد أن ظلّ لزمنٍ طويل يرفض تقديم أيَّ تنازلٍ قبل صدّام حسين في نهاية المطاف أن يخفّف من غُلوّه وعناده، فأمر بتدمير صواريخ «الصمود»، وسمح للطائرة الاستكشافية الأميركية من طراز «يو2» بأن تُحلّقِ في أجواء العراق. كنتُ على اقتناع بأن صدّام سيخرج من جعبته ورقته الأخيرة، وبأنّ الأزمة ستنتهي إلى مخرج نهائي على نحو ما انتهت الأزمات السابقة.

لقد ظللتُ أعمل إلى جانبه خلال الفترة التي تعقّدت فيها الأزمة، وكنت أعلم أنّ صدّام كان أقدر على التصرف بكثير من البراغماتية على الرغم من تصوره التقليدي للشرف والعزّة، وكنت أعرف أيضاً، بفضل المعلومات التي كنا ننقلها إليه، أنه كان يعي خطورة الوضع.. حق الوعي. في الغالب كان صدّام ينهض في حدود الخامسة صباحاً، وقد شعرنا حقاً خلال الشهور الستة التي سبقت الحرب أنه لم يذق طعم الراحة قط. كان يُرسل إلينا بريده بواسطة حرّاسه، في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار.

كان جهاز نقل الرسائل مُروّضاً ترويضاً مُتقناً، ففي الأوقات العادية كان رجلٌ من رجال الأمن يحمل رسائلنا إلى الرئيس فيسلّمها إلى مكتب الاستقبال في بناية سرّية تقع خارج القصر، فيتكفّل رجلٌ ثانٍ من الأمن بنقلها إلى سكرتير الرئيس الخاص، عبد حمود الذي كان يضطلع بفتحها، ولا شيء من كل هذا تغيّر أثناء الأزمة، فقد ظل صدّام يُمسك بزمام العراق حتى النهاية. أما نُهى زوجتي فقد كانت على اقتناع بأن المأساة قادمة لا محالة، ولذلك ما فتئت تذكّرني:

- يجب أن نفكر في جلب مخزون من المؤونة الغذائية.

كنت أراها عند كل عودةٍ من القصر، في ساعات الليل المتأخرة، تُعدّ العدّة تأهباً لأي طارئ، فأحاول في كل مرة لطمأنتها، فقد كنت على اقتناع بأنَّ الحرب لو قامت فعلاً فلن تكون إلا حرباً طفيفة وبعيدة. كنت أحدّث نفسي بأن الصّراع لو قدّر له أن ينفجر، فإن المقاومة العراقية سوف تصمد لأسابيع عديدة، فلا يمكن للنظام أن ينهار كما ينهار قصرٌ من ورق.

ولا أخفيكم أنني من الناحية العملية لم أستبق الأحداث بأي حال، فلم أكن قد أعددتُ أيّ شيء، حين طلب جورج بوش من الرئيس صدام مغادرة البلاد قبل بداية الصراع بأيام. ومع ذلك، فقد جعلني هذا الإنذار الأخير أدرك أن الحرب قائمة لا محالة، لكنّ الرئيس ما كان ليقبل بمثل هذا الإذلال ولا ليرضى بالمنفى بديلاً، وقد كان الأميركيون يدركون ذلك حين وضعوا السكين على رقبته.

أنا وزوجتي وأطفالي الثلاثة غادرنا الشقة الوظيفية التي أقمنا فيها منذ ما يقارب الأربع سنوات في شارع أبو نواس على طول نهر دجلة. كان ذلك قبل قيام الحرب بيومين فقط، كنا آخر من يهرب من سكان العمارة، وأقمنا عند أخت زوجتي في حي الضباط بالزيتونة.

وقد تركت معظم أغراضي بالبيت، ما عدا التلفزيون والحاسوب، فلم نحمل معنا إلا الأشياء الضرورية. وقد حرصتْ زوجتي على أن تُتلف كل ما من شأنه أن يعرضنا للخطر. لم أفهم في الحال السبب الذي جعلها تفكُّ من على الجدار الصّورَ التي كنت أرافق فيها الرئيس.

- لماذا تفعلين هذا؟

- لا ينبغي أن يعرف أحدٌ أنك كنت تعمل مع صدّام، سيعرّضنا ذلك لكثير من المتاعب!

قلتُ لها مؤكداً:

- اسمعي! الوضعُ على أيّ حال لن يتدهور إلى هذا الحدّ!

كانت نُهى تحسّ بما كان سيأتي من أحداث، من نهبٍ وتخريب وسرقة وعنف، كانت تعلم أنّ السكان سينتقمون من عملاء النظام القديم.

في المواقع البديلة

كانت رئاسة الجمهورية تمتلك العديد من المساكن والعمارة الفارغة في بغداد، وحتى يحبط القصف الأميركي الذي ما فتئ ينهال على العاصمة العراقية على مدى عشر سنوات، تعوّد النظام على ترحيل المكاتب في حالات الخطر، فكان تارة يستقر لبعض الوقت في بنايات عادية، وكان الموظفون وأهم أصحاب المقام يقيمون في عمارة عادية للغاية، مثلما كان الأمر أثناء القصف الذي تعرضت له بغداد في شهر ديسمبر عام 1998.

وكنا نسمّي تلك المساكن بالمواقع البديلة. لقد كان القادة يعون جيداً المخاطر التي كانت تحدق بهم، فحرصوا على أن ينظموا أنفسهم حتى لا يمسّهم أي أذى، كان ذلك على أي حال ما يمكن أن يعتقده أي مراقب خارج النظام، لكنّ الواقع كان مختلفاً كل الاختلاف.

في شهر أكتوبر 2002 تلقت الوزارات الأمر بالشروع في ترحيل أرشيفاتها، كان العراق قد قبل للتو عودة خبراء منظمة الأمم المتحدة في نزع السلاح، مبرزاً بذلك إرادته الطيبة ونيته الحسنة في تهدئة الأزمة القائمة بينه وبين الولايات المتحدة. كان علينا أن نخفي الملفات المهمة قبل وصول المفتشين إلى بغداد.

كنا نعلم أن معظم أولئك المفتشين كانوا جواسيس حقيقيين، فقد قدموا إلى العراق من أجل البحث عن عتاد محظور، ولكن أيضاً من أجل الاستحواذ على الوثائق. لقد وضعنا إذن أرشيفنا في مكان آمنٍ، ليس من أجل إخفاء المعلومات التي من شأنها أن تعرضنا للخطر في مجال التسلح، ولكن لأننا لم نكن نرغب في أن يكتشف الأميركيون أسرار دواليب الرئاسة. وقد تلقينا الأمر أيضاً بإخفاء حواسيبنا للحيلولة دون حصول الأميركيين على نسخ من الأقراص الصلبة.

وأذكر أنني حاولت التدخل لدى أعضاء أمن القصر لثنيهم عن هذا الأمر، إيماناً مني بأن إخفاء الحواسيب قد يكون أكثر الأمور إثارة للشبهات من منظور المفتشين، فإن نحن وضعنا أنفسنا في حالة دفاع فإن ذلك يعني اعترافنا بالتهم الموجهة إلينا. بداية كلِّف شخصان بفرز الوثائق، وبعد مرور يومين نقل الرجلان كل الوثائق بلا تمييز إلى مكانٍ بديل، وهو المكان نفسه الذي لجأنا إليه أثناء القصف في ديسمبر 1998.

وقد ضمّت هذه الوثائق، على الخصوص، محاضر جلساتِ لقاءاتِ الرئيس بما فيها اللقاءات غير المسبوقة. ولم تتصل هذه الوثائق من قريب أو بعيد بأسلحة الدمار الشامل! ولذلك فقد حيّرني إخفاء هذا النوع من المعلومات. لقد كان الأمن كلما سألت سؤالاً في هذا الشأن ردّ قائلا:

- ولماذا نعطيهم هذه الوثائق؟

وقد أمر صدّام أيضاً بأن يلتزم موظفو الرئاسة كافة بتدريب عسكري صارم.

- نحن على وشك أن نواجه العدو!

علينا أن نعدّ أنفسنا، وأنتم الذين تلازمون الرئيس يجب أن تحاربوا حتى آخر رجل! هكذا كانوا يقولون لنا.

وهكذا شارك أعضاءٌ من أمن الرئيس الخاص في تدريبات فدائية جد قاسية. فقد كان عليهم أن يقطعوا مشياً على الأقدام مسافة تزيد على عشرة كيلو مترات كل يوم، وأن يتدربوا على سائر أنواع الأسلحة: كلاشينكوف، قاذفات صاروخية من طراز ار. بي. جي وأسلحة الدفاع المضاد للطائرات الخ...

وإذا كان تكوين هؤلاء مكثفاً وفي غاية الجدية والصرامة، فلم يكن ذلك شأن موظفي القصر الآخرين. أما فيما يخصنا نحن، فقد كان مقرراً أن نتلقى على مدى ثلاثة أشهر ساعتين من التدريب العسكري صباحاً والقدر نفسه من التدريب عصراً، أما أنا فلم أحضر هذه الدروس إلا ثلاثة أيام فقط، فسرعان ما أعفي عدد كبير من الموظفين رفيعي المستوى من هذه التدريبات، فقد كان إعداد البرنامج سيّئاً.

وقد أضحت التمارين عديمة الجدوى: لقد علّمونا في الأسبوع الأول السير بخطى ثابتة، وفي الثاني تركيب الكلاشينكوف وتفكيكه، وفي الثالث لم نجد شيئاً نفعله، وقد كان مقرراً لنا درسٌ في تقنيات حرب العصابات داخل المدن، لكنّ حتى ضباط الصف كانوا يقرّون بأن في الأمر مضيعة للوقت، وكنا كلما ذهبنا إلى ميدان الرمي لم يكن في حوزة كل واحد منّا سوى ثلاث طلقات. قبل اندلاع العمليات العسكرية، كان الموظفون يعيشون في حالة من نفاد الصبر ومن القلق بسبب الخطر الوشيك، فكانوا يسألونني:

- لماذا لا نغادر مكاتبنا؟

بعد الإنذار الأخير الذي أطلقه جورج بوش في اتجاه صدّام، توجهتُ على الفور إلى علي عبدالله، سكرتير الرئيس الصحافي بذلك السؤال، فقال لي:

- لا يمكنكم أن تتخذوا قرار الإخلاء من طرف واحد، فسوف يقال عنكم إنكم جبناء، فقلت له:

- لكن الأميركيين سوف يقصفون العراق وسوف نكون أهدافاً مميّزة! لكن عبد حمود، سكرتير صدّام الخاص ما لبث أن رخص لنا بنقل مكاتبنا في اليوم التالي لذلك الإنذار، أي قبل الحرب بيومين، فقد تلقينا في الأخير الأمر بالتراجع نحو الموقع البديل الذي أُعِدَّ لنا خصّيصاً في حي الحارثية الرئاسي، ليس بعيداً عن قصر السلام الرئاسي، الذي قصفه الأميركيون بعد ذلك نحو خمس أو ست مرات.

تصرفات ارتجالية

كنت قبل الحرب قد ذهبت للتعرف على المكان. كان المكان عبارة عن فيلا واسعة من طابق واحد، طُليت جدرانها باللون الأمغر، تقع بشارع الزيتون، وهي بيت مجهول في حي ثري من أحياء العاصمة. كان هذا البيت في السابق ملكاً لصلاح عمر العلي التكريتي وهو قريب لصدام وسفير سابق في الولايات المتحدة حتى تاريخ ارتداده العام 1982، فبعد فراره قامت الدولة بمصادرة بيته.

وهنا أيضاً كم كانت التصرفات ارتجالية! قبل عمليات القصف الأميركية العام 1998 كنا ورثنا بيتاً في مجمّع الوزراء بحي المنصور حيث كان يُقيم أكثر من خمسين من مسؤولي العراق رفيعي المستوى. كان المكان غير لائق للاحتماء، فقد اكتشفنا بعد الازمة أن المساكن المجاورة كانت قد أُخليت من قبل سكانها لأنّ الحيّ كان يأوي معسكراً لتدريب الأمن الخاص بالرئيس.

لذلك لم ينجُ هذا الحيّ من القصف المكثف، فهذا الاختيار دليل على مدى حماقة القادة العراقيين في اتخاذ القرارات التي تقع على عاتقهم، كلّما كان الأمر لا يمت بصلة مباشرة بحياة الرئيس شخصياً. فحين جاء عابد حمود في شهر فبراير يقترح علينا الرجوع إلى المجمّع الوزاري بالمنصور، لم نتردّد في رفض هذا العرض، فلم يجد بداً من أن ينصحنا بالتوجه إلى مسؤول إدارة المواقع البديلة حتى يدلنا على مكان آخر نأوي إليه.

وقد بدا لنا حيّ الحارثية الذي لجأنا إليه في الأخير هادئاً ساكنا، فقد كان البيتُ متوارياً خلف أحد الأسوار ممّا يجعله خفياً عن الأنظار، لكن ما لبثنا أن علمنا بعد حين أن عدداً كبيراً من مسؤولي البعث - الحزب الوحيد في سلطة بغداد - ومنهم طه ياسين رمضان، الرجل الوفي لصدام، كانوا يُقيمون على بعد خمسين متراً فقط عن ذلك المكان.

وكان الحي يأوي أيضاً مدرسة للحزب، وهو ما يعني أننا كنا محاطين بأهداف كامنة. وقد كان هذا البيت الذي أمكننا أن نقوم فيه بواجبنا حتى لحظة سقوط بغداد قد أُعِدَّ ملجأً لرئيس الديوان الذي رفض العودة إليه بسبب موقعه غير الآمن، فما دام الأمر كذلك فما الذي جعلهم يمنحوننا إياه؟ والسبب في ذلك بلا شك عدم كفاءة أحد مسؤولي الرئاسة ومتابعةٍ سيئة للملفات، فضلاً عن أن مكتب إعلامنا لم يكن بالأهمية ذاتها للأمن المقرب من الرئيس.

في الوقت ذاته نُقلت مصالح الرئاسة الأخرى إلى الضفة الأخرى من نهر دجلة، ليس بعيداً عن الحارثية، في أحياء اليرموك والمنصور، أما المصالح الأقل أهمية، المرتبطة أساساً بالشرطة فقد تم إخفاؤها في إحدى المدارس، ولم ننقل أيّ عتاد، وقد ظل الموظفون يتردّدون على مكاتبهم حتى تحت القصف.

ولم يتوقف الارتجال عند هذا الحدّ، فقد جاء سائقان مكلفان بنقل البريد إلى الرئيس يشكوان من أن هذه الترتيبات الأمنية لم تشملهما حيث لم يقترح عليهما أحدٌ أيّ موقع بديل يلجآن إليه، ولما كانا يعيشان على مقربة من القصر الجمهوري فقد خشيا كثيراً على حياتهما. كنتُ على استعداد لإيوائهما، لكنّ علي عبدالله لم يوافق على ذلك.

وعلى الرغم من أن عملهما كان وثيق الصلة بعملنا فقد ظل علي عبدالله يعتبر أنهما لا يمثلان جزءاً من مكتبنا. فلأسباب الأمن والسريّة لم يكن من حقّهما أن يعرفا من كان يدخل ويخرج من بيتنا في الحارثية، فلم يجد هؤلاء بدّاً من العودة إلى بناياتهم التي تعرضت للصواريخ الأميركية الأولى التي استهدفت القصر منذ بداية الحرب. وقد عاد إلينا أحد السائقين الذي تعرض لجروحٍ، معصوب الرأس، متوسلاً إلينا أن نأويه في محلاتنا، وأخيراً وضع السكرتير الصحافي تحت تصرفهما غرفة معزولة.

وقد استغرق ترحالنا الكثير من الوقت، غير أنه على الرغم ممّا أصابنا من قلق وجزع فلم نكن على عجلة من أمرنا، كنا نعتقد جميعاً أننا سنتحاشى الحرب، فلم ننقل إلا العتاد الضروري لعملنا، كالحواسيب مثلاً، أما الأسرة والكراسي والمكيفات وأفران الطبخ فقد استعادتها الرئاسة.

لم نتلق أي تعليمات خاصة حول ما كان ينبغي علينا أن ننقله بالضرورة، ومع ذلك فقد فكروا في الوقت ذاته في تفاصيل ثانوية، ومن ذلك إقامة نظام من صواني الأكل لموظفي الديوان الموزعين عبر العاصمة، لكن الإدارة نسيت أن تخبرنا بذلك، ولم نطّلع على هذا النظام إلا بعد بداية القصف بيومين أو ثلاثة أيام، فكنت كلّ يوم أرسل من ملجئنا أحد السائقين ليأتينا بنحو عشرين من هذه الصواني من الديوان الذي كان ينهال عليه وابلٌ من القنابل.

أخطاء فادحة

كان بحوزتنا جهاز لتوليد الكهرباء، لكنّ علي عبدالله لم يكن يرغب في أن نستعمله كثيراً، فقد أصابه الهذيان بسبب الأحداث حتى صار يخشى من أن يزعج صوتُ مولّد الكهرباء الجيران أو يكشف أمرنا للطائرات الأميركية. وهنا أيضاً كم من أخطاءٍ فادحة ارتكبت من قبل مصالح الرئاسة!

وفي ربيع عام 2002 حصلنا علي عبدالله وأنا على سيارة جديدة لكل واحد منّا، وكانت من نوع »نيسان سيدريك«. هذا النوع من السيارات كان محظوراً بيعه للشعب حيث كان مخصصاً للمسؤولين الكبار في الحزب وللمديرين العامين في الرئاسة. هذه الهدايا لم تكن خافية على الجمهور، لكنّ مأربنا في الحارثية لم يكن يتّسع إلاّ لسيارة واحدة، ولذلك لم أجد بدّاً من أن أركن سيارتي في الشارع.

وكان للسائقين سيارات من نوع »بيك أوب« المخصّصة أيضاً للمقربين من السلطة، فلم نكن إذاً كتومين جدّاً، فكوننا لم نكن قادرين على أن نوقف سياراتنا في مكان آمنٍ وبعيداً عن الأنظار فقد كنا معرضين لمخاطر حقيقية، فقد كنا نخشى أن يكشف أمرنا أحد الجيران، أما أنا شخصياً فقد كانت خشيتي أكثر وأكبر من الجماعات الإرهابية المرتبطة بالمعارضة في الخارج أكثر من خشيتي من القصف الأميركي، ولم يُعيّن المسؤولون أي حارس يحرسنا حول البيت.

وقد أحضرنا كمية من الشموع والمصابيح البترولية تحسّباً لأي انقطاع في الكهرباء، كما أعددنا مخزوناً من البطاريات لتأمين الاستماع للإذاعة، فقد كان الراديو آخر وسيلة إعلامية في متناولنا لإطلاع صدّام بما يطرأ من أخبار، لكننا في الليلة التي انقطعت فيها الكهرباء فوجئنا بعدم توفر المصابيح البترولية لأن العامل المكلّف بالعتاد كان قد نسيها في الرئاسة. وما إن تمكنا من الحصول على المصابيح حتى تعذّر الحصول على البترول، فلم أجد بداً من التوجه إلى بيتنا لأحضر زجاجات من البنزين.

لم يكن سكرتير الرئيس الصحافي الوحيد الذي اصابه الذعر، فبعد مرور أربعة أيام على بداية الحرب أصدر إلينا السكرتير الشخصي لصدام أمراً بعدم استعمال الحواسيب والانترنت، حتى لا يكشف الأميركيون أمرنا، ولذلك اضطررنا لأن نحرّر بخط اليد نشرات الأخبار المخصصة للرئيس، فكنا نستعمل ورق الكربون حتى تظل نسخة من النص في حوزتنا. قرارٌ لا معنى له! ففي بيتنا كنت أشتغل على الأنترنت، وكان ابني يمضي أيامه في السباحة على أمواج الأنترنت، فقلت ذلك للأمن:

- هناك على الأقل مائه ألف حاسوب في بغداد موصولة بالأنترنت، كيف يمكن للأميركيين أن يكشفوا أمرنا؟

- إنها الأوامر، لا داعي للنقاش!

وأعدنا ترتيب أمورنا من جديد، فهيأت نظاماً للعمل بالفريق المحدود، حتى نحدّ من الخسائر في الأرواح البشرية إنْ نحن تعرضنا لأي قصف. كان ستة أو سبعة من الموظفين موجودين بشكل دائم على مدار الساعة، وقد تضاعف عملنا خلال الحرب، لأن الرئيس كان قد اشترط منّا أن نرسل إليه ضعفي أو ثلاثة أضعافٍ من ملخصات الأخبار التي كنا نرسلها في الفترات العادية. كان الجميع يحضر إلى العمل باستثناء موظف في الطباعة كان اضطر لمغادرة بيته الذي كان يتعرض للقصف المتواصل بجانب وزارة الإعلام.

كان قد تأجرّ شقة بالقرب من بيت حماه في بعقوبة الواقعة على بعد ثمانين كيلو متراً من بغداد، فقد كان يصعب عليه المجيء إلى المكتب، وقد ألححت عليه بأن يواصل العمل معنا، فقد كان قطع المسافة يعرضه للقدر نفسه من المخاطر التي كان يعرضه لها تخليه عن منصبه، ناهيك عن أننا كنّا نخضع لمراقبة مستمرة.

والحق أقول إننا حتى في الأيام التي سبقت سقوط بغداد يوم التاسع من أبريل كنّا أكثر تفاؤلاً. فقد كان العمّال صامدين باستثناء عاملين أو ثلاثة. وكان أكثرهم وجلاً الجاسوس الذي كان يعمل لحساب أمن الرئيس، أما مساعداي فلم يباليا بالأمر كثيراً، فعلى عكس حرب عام 1991 فقد كان القصف متواصلا أناء الليل وأطراف النهار، وكنتُ أخشى عليهم كثيراً.

أثناء الحرب اختيرت فيلتنا كنقطة لالتقاء الشخصيات المدعوة من قبل الرئيس، وكان رسولٌ خاص ينقل لنا الاستدعاءات، وكنا نتصل عن طريق الهاتف بالشخص المعني، وبعد أن دمّر المركز الهاتفي المركزي لماعون قبل انتهاء المعارك بعشرة أيام أرسلنا مُراسلينا لإخبارهم بذلك.

فكانوا كلما وصلوا إلى الحارثية اقتيدوا نحو مكان سريّ، وهناك يغيرون السائق قبل الوصول إلى مكان ثالث حيث يختبئ الرئيس. وقد جاء لزيارتنا مرات عديدة محمد الصحّاف وزير الإعلام المعروف بغليانه، ولطيف نصيف جاسم نائب مدير المكتب العسكري لحزب البعث قبل ان يلتحقا بصدام حسين.

تنقل بلا انقطاع

كان الرئيس يتنقّل بلا انقطاع. في الأيام الأولى أقام في بيت قريب من بيتنا، فقد عرفتُ ذلك لأنّ علي عبدالله كان يقطع المسافة إلى الرئيس في سيارة الأمن في وقت وجيز، وقد كان كثير التردّد على ذلك المكان، حيث كان الرئيس يجتمع بلا انقطاع بأعضاء قيادة الحزب ومسؤولي الجيش.

وأكثر من ذلك، فقد انعقد في الأيام الأولى للحرب اجتماعان في مكان لا يصدّق، في بيت يقع عند مدخل القصر الجمهوري الذي كان قد تعرض للقصف ليلة ذلك اللقاء، وهو ما يؤكد أن نقاط اللقاءات كان يتم اختيارها يوماً بيوم تبعاً للضربات الأميركية. وكان صدّام بعد ذلك قد قضى أياماً عديدة في فيلا المنصور بالقرب من مطعم الساعة. وقد قام الأميركيون الذين اعتقدوا العثور عليه بذلك المكان بقصف المنطقة يوم السابع من أبريل. وقد كادوا أن يصيبوه في ذلك القصف لأنه لم يكن بعيداً عن ذلك المكان كثيراً.

لقد تعوّد صدام منذ العام 1990 أن يقيم بشكل سريّ في عدد من البيوت العادية في العاصمة، وأذكر أنني توجهتُ العام 1991 عن غير قصد بالقرب من أحد تلك البيوت. فذات مساء، وأنا عائد إلى البيت، أخبرني السائق بأنه سيعرّج على الرئيس حتى يسلّمه بريداً مهماً، فدخلنا في شارع هادئ بحي اليرموك لم نلمس أي إجراء أمنيّ واضح فيه.

فقد كانت الإقامة بعيدة عن الأنظار، غير أنه حين اقتربنا من باب المدخل فوجئنا بحارسين يطلان علينا من وراء إحدى الأشجار. ولم يستغرق تسليمهما البريد الموجّه للرئيس سوى ثوان! قيل مراراً إن صدّام يعتصم في داخل غرف حصينة تحت الأرض. أجل لقد وجدت هذه الحصون بالفعل، لكنّ صدّام لم يتقهقر إليها أثناء الحرب، فقد كان في الواقع يتخفى بين صفوف شعبه.

وكانت وسائل الإعلام الغربية قد أفرطت كثيراً في تصور »نُسخ« الرئيس، مدّعيةً بأنه كان محاطاً بأشخاص مشابهين له، فأنا لم ألتق قط بأي واحد منهم. ويبدو أن أحد أطباء صدّام الفرنسيين قد استقبل يوماً من طرف أحد هؤلاء الأشباه، لكنّ الطبيب لم يتعرّف عليه، بطبيعة الحال.

كان الرئيس يلجأ إلى استخدام هذه »النّسخ« كوسائل للخداع، فحين كانت بعض المواكب تعبر المدينة، كانوا يوهمون الناس، من خلال أحد هؤلاء الأشباه، بأن صدّام متواجد في هذه المرسيدس أو تلك، والواقع أن الرئيس كان يتنقل في سيارة عادية لا تثير أي اهتمام، غير أن الرئيس، في المقابل، لم يكن يعهد بالمهمات الخاصة لهذه »النّسخ.

«لقد كان صدّام يحس أنه وحيد. وعلى الرغم من بعض مؤشرات التذبذب والحيرة، فقد ظل صدام يقود البلاد حتى النهاية، فقد كان يلتقي بانتظام بوزرائه ويطلع على بريده. وبينما كانت المعارك على أشدها، استمر صدّام في تجسيد الشخصية اللغز العصيّة الغامضة، التي ما فتئ يمثلها في أعيننننا جميعاً.

وهكذا، وبينما كنا نعيش ساعات مأساوية، دعاني لكي أترجم إلى العربية محاورة من خمس عشرة صفحة كان قد أدلى بها صهره السابق كامل حسين. ويعود تاريخ هذا الحديث لثمانية أعوام مضت، وكانت قد نشرت في الأردن التي كان قد لجأ إليها العام 1995 قبل أن تتم تصفيته في بغداد بعد ذلك بستة أشهر. لم يكن للحوار أي أهمية ولا أي صلة بما كان يحدث من حولنا، فقد كنت منهكاً كثيراً مع الراديو الذي كان علي أن أستمر في الاستماع إليه بلا انقطاع حتى أطلع صدام بما يجدّ من أخبار.

قلت لسكرتيره:

- إنها مضيعة للوقت!

- أنا موافق، ولكنها الأوامر.

تُرى لماذا الاهتمام بهذا الشيء في مثل هذا الوقت؟ لا أحد يدري.


يتبع

عبودي 1
05-03-2006, 01:03
كتاب ـ سنوات صدام ـ الحلقة الثانية

عندما بكى وزير الدفاع العراقي، الحاسة السادسة تنقذ صدام من القصف لدى غياب قائد المخابرات
الرجل ذو النظارة المحرشفة الغليظة، الذي خاطب العراقيين يوم الخميس 20 مارس 2003، كان صدّام حسين بالفعل، وليس أحد أشباهه، كما اعتقد الكثيرون وأكّدوا في تلك الفترة، فقد سجّل الرئيس مداخلته في البيت المجاور لبيتنا، حيث أقام في الأيام الأولى من الأزمة. في الصباح كنت في المكان عينه ، في حدود التاسعة بشارع الزيتون، كانت سيارة علي عبدالله.

وهي من نوع «نيسان سدريك» مركونة أمام الفيلا، قيل لي إنه كان يقضي الليل بمكاتبنا، وحين استيقظ في حدود العاشرة سألته عن سبب وجوده بذلك المكان، فشرح لي أنه استيقظ في حدود السادسة وكأنه أحس بوجوب الذهاب إلى العمل قبل الموعد المعتاد، وقال ما إن وصلت إلى المكتب حتى أبلغني رجل من الأمن بأن الرئيس قد أرسل في طلبي.

توجه علي عبدالله إلى مكتب الرئيس يرافقه أحد الحراس، وسأله الرئيس الذي اعدّ خطابه في دفتر صغير رأيه في البناء النحوي للنص، وأجرى السكرتير الصحافي بعض التصويبات، ثم سجّل صدام مداخلته التلفزيونية للحرب بعد بدايتها ببضع ساعات. وعلى غير عادته، لبس صدام نظارته فدهش علي عبدالله أن يظهر الرئيس الحريص على مظهره دوماً، بذلك المظهر على الشاشة.

- سيدي الرئيس لماذا تضع النظارة؟

- إننا في حرب يا علي!

كان النهار قد بدأ في الطلوع، لكن الغرفة كانت لا تزال غارقة في العتمة. في العادة كان صدّام لا يحب أن يُظهر أنه حسير البصر، ولذلك اعتقدنا أنا نفسي وأسرتي وأصدقائي أنه شخص آخر، لكنّ علي عبدالله ما لبث أن صحّحني:

- أستطيع أن أؤكد لك مئة بالمئة أنه صدّام حسين.

تذبذب في القيادة

في الأيام الأولى للصراع ساد شيء من التذبذب في قيادة البلاد، الناتج إلى حدّ كبير عن تحرك القيادة وابتعادها، فقد تقلصت مهامنا إلى حدود الأشياء الأساسية، كتحرير أوامر الرئيس المكتوبة ونشرات الأخبار الموجهة إليه. وقد صارت تعليمات صدّام أكثر كثافة مما كانت عليه في العادة.

ففي الأسبوع الأول من الحرب وجّه رسالة من ثلاث صفحات إلى ألفٍ وخمسمئة من مسؤولي الجيش الكبار تسلّموها عن طريق المراسلين. وكان ذلك عملاً هائلاً.

وقد أمرنا عبد حمود سكرتير صدّام الشخصي بطبع هذه الرسائل على حواسبنا، مخالفاً بذلك الأوامر التي كنّا قد تلقيناها قبل بضعة أيام بعدم استعمالها. ومرة أخرى كانت الإجابة الوحيدة التي تلقيتها:

- الأوامر هي الأوامر.

وبعث صدام رسالة أخرى إلى خمسة آلاف عضو في الحزب، وهي رسالة خطية اضطررنا لتصويرها، وأرسل رسالة أخرى إلى شخص يُدعى عادل عبدالله المهدي، قائد المكتب العسكري للحزب بالناصرية في جنوب العراق، حيث كانت المقاومة العراقية صامدة في وجه الجيش الأميركي وحلفائه البريطانيين.

واحبُّ أن أضيف هنا أن هذه الميليشيات قد لعبت دوراً مهماً في إقناع الفرق العسكرية والسكان وبالقوة أحياناً، بأن لا يستسلموا لنداءات الغزاة وبأن لا يتعاونوا معهم.

وأخيراً حرّر صدام رسالة أخيرة موجهة إلى قيادات العشائر وإلى مسؤولي الطوائف فكان العدد بذلك هائلاً، ممّا اضطرنا إلى البحث عن قائمة هؤلاء في مكتب العشائر المنزوي في أحد بيوت حي المنصور. ونظراً لتعقّد أسماء الأسر العشائرية فقد كان إعداد القوائم عملاً غاية في الصعوبة.

في هذه الرسائل كان الرئيس يُقدّم النصائح العسكرية، ويؤجج الرّوح الوطنية للمقاومة. كان يريد أن يُعِدَّ لمعركة بغداد خير إعدادٍ. كيف يمكن تأجيل تقدّم قوات العدو حتى قلب العاصمة؟

كيف يمكن ممارسة حرب العصابات داخل المدن؟ كيف رفض حرب المجابهة واختار الهجوم على الفرق الأميركية بواسطة مجموعات صغيرة من الفدائيين. لقد تطلب منا انجاز المهمة المطلوبة ثلاثة أيام وثلاث ليال. وقد كنت عند الضرورة الملحة أستغني عن العمل بوساطة الفرق.

كنت أعود إلى البيت في ساعات متأخرة، ليس قبل الساعة الحادية عشرة ليلاً في الأحوال كافة، كان الجو العام قد أصبح مريعاً، فقد أصبحت شوارع بغداد خالية، ولم تعد هناك كهرباء، وكانت عاصفة الرمال تزيد من حدّة ذلك الانطباع بالكارثة. لم أكن أُميّز الشيء الكثير وأنا أسوق سيارتي. كنت خائفاً.

كان القصف يهزّ العاصمة هزّاً. كان مسدّسي في متناول يدي، كانت مصالح الأمن قد زودتنا بقطعة كلاشنيكوف، لكن استعمالها في السيارة كان غير عمليّ، فتركتها في المكتب وفضّلتُ الاحتفاظ بمسدسي في متناول اليد.

ومع ذلك كله، فقد ظلت معنوياتي جيدة. وعند نهاية شهر مارس ، وبعد مرور عشرة أيام على بداية الحرب، عاد إلي علي عبدالله واثقاً من نفسه من اجتماع مع الرئيس والمسؤولين العسكريين من الجبهتين الجنوبية والشمالية.

- الوضعية العسكرية على ما يرام. إنهم يعدّون لهجوم مضاد سوف يفاجئ الأميركيين.

هكذا قال لي متحدثاً عن صدّام، لكنني أجبته:

- «بيني وبينك» هذا مستحيل!

بعد لحظات من التأمل قال لي بلا تردّد:

- إنك على حق!

- من المستحيل أن يخسرالأميركيون هذه الحرب. فإن همُ تعرضوا لأي هزيمة، تصوّروا كم سيكون شعوره بالقوة والعظمة، وهو يهزم أول قوة في العالم. سوف يجعل الخطر يخيّم على المنطقة برمتها، وسوف يثير الرعب في قلب الكثير من العرب. هذا السيناريو، حتى وإن كان في صالح بلادنا، فهو أمرٌ لا يتصوره العقل. ان انتصارنا مستحيل حتماً.

كان علي عبدالله، مثلي تماماً، رجلاً تقنيا في خدمة النظام. هذا الشيعي ، ذو الأصل البابلي، كان يعمل في الديوان منذ ثلاثين عاماً. وكان في السنوات العشر الأخيرة سكرتيراً صحافياً للرئيس. كان يحضر كل اللقاءات ما بين صدّام وضيوفه بمن فيهم العراقيين، وكان يحرّر التقارير الرسمية المخصّصة لتلفزيون الدولة، ولكنه لم يكن مغفّلاً، حيث كنا ننتقد النظام أحياناً بصوت خافت، ونحرص في ذلك على ألاّ يسمعنا أحد.

ولم يتردّد هذا المناضل البعثي القديم يوماً في فضح انحراف الحزب منذ وصول صدام إلى السلطة، وكان يأسف لذلك أيّما أسفٍ:

- لم يعد البعث ذلك الحزب الذي انتميتُ إليه في الستينات!

كان علي عبدالله بعثياً تاريخياً ، ولم يكن ذلك شأن التسعين بالمئة من المنخرطين في هذا الحزب، الذين كانوا يأخذون بطاقات الحزب، بدافع الامتثال للقاعدة السارية، وطمعاً في كسب (منصب عمل أو مهنة سريعة أو بعثة تدريبية إلى الخارج). في هذا الشأن كثيراً ما كان يقول لي:

- هل تعرف كيف تُميّز ما بين بعثيّ حقيقي وما بين بعثيّ انتهازي؟ يكفي أن تسأله في أيّ تاريخ كان انخراطه في الحزب.

ومع ذلك، فقد كان علي عبدالله يعتصم ببعض الأمل:

- هل نسيت الصومال؟ ألم يضطر الأميركيون في النهاية إلى الانسحاب منها بعد الفشل الذي لحق بهم؟

قلت له:

- تأجيل نتائج الحرب هو كل ما يمكننا أن نأمل فيه، وأنت تعرف ذلك جيداً يا علي!

عند قراءتي للرسائل التي كان صدام يُوجّهها لقادة الجيش، كنت أحدّثُ نفسي بأن الحرب مسألة من اختصاص المحترفين، والحال أن صدام لم يكن محترفاً، فمعه لم يكن للاختصاصيين أي حق في الكلمة. فحتى عندما كان يتظاهر بإعطاء العسكريين حرية قيادة العمليات على نحو ما فعل مع الفريق ماهر رشيد، أحد أبطال الحرب العراقية ـ الايرانية.

حيث عينه مستشاراً للقيادة العسكرية، كان هو السيد الآمر الوحيد، فقد كان في الواقع لا يثق بالجيش ولا سيما وزير الدفاع سلطان هاشم، فقد وضعه تحت الإقامة شبه الجبرية قبل الحرب بقليل. فقد كانت سيارة من الأمن الرئاسي تأخذه لحضور اجتماعات القيادة العامة، وهكذا كان الرئيس يراقب عن كثب كل حركاته.

صدام في الأعظمية

كان محمد الصحاف، وزير الإعلام، يشحذ معنوياتنا بتصريحاته الملتهبة، وقد ظل يُبدي الكثير من التفاؤل حتى النهاية. وقد أُخِذ عليه إصراره على الكذب عن قصد، لكنّ الصحّاف لم يكن له أيّ خيار آخر: فإما أن يغادر العراق وإما أن يظل فيه ويتظاهر بأنه يُصدّق ما يقول، فلم يكن الصحّاف أحمق ولا غبياً، على نحو ما كان يحلو لوسائل الإعلام أن تصفه به، وإنما كان يتحدث لغات كثيرة وكان بيته مليئاً بالكتب.

ما لبث ظهور صدّام العلني المفاجئ يوم الجمعة 4 ابريل في حي الأعظمية، الذي كان له فيه أنصار كثر أن شدّد عزمنا، فقد راح بزيّه الأخضر الزيتوني «البيريه» الذي يعتمره يُوزّع الابتسامات ويُحيّي بيده جمعاً من الفضوليين السذّج. كان ذلك أسلوباً من أساليب استهزائه غير المتوقعة بالأميركيين .

وكان هذا الشخص هو صدّام بالفعل وليس «نسخة» من نُسخه كما توهّم العديد من الاختصاصيين الذين أنفقوا الساعات في تفحّص شريط الفيديو الخاص بهذه الجولة المفاجئة، حتى يقيسوا طول أذنيه وأنفه ونسيج شعره وأشياء أخرى، في محاولة يائسة للتمييز ما بين صدام الحقيقي وما بين إحدى نسخه.

لكنّ شيئاً بسيطاً لم ينتبه إليه سوى القليل منا يثبت أن صدّام بذاته هو الذي رآه الجمهور: فقد كان أحد حراسه يرتدي القميص نفسه الذي كان يرتديه ليلة ذلك الظهور حين جاء يسلمنا رسالة من الرئيس، فقد تعرفت على زيّه من مربّعاته الكبيرة اللافتة للنظر، فلم نعتد على رؤية حراس الرئيس بالزيّ المدني، فقد كانوا في العادة يظهرون بالزي الكاكي، يا لهم من مساكين! فقد كانوا يمرون بلحظات عسيرة.

كنا نتعامل مع ثلاثة أو اربعة منهم كانوا الأشخاص أنفسهم دائماً. ذات مرة استأذننا أحُدهم في استعمال الحمّام، فقد كنا نحسّ بأنّ حياتهم كانت غايةً في القساوة.

وحتى لحظة تدمير مركز ماعون كانوا يتدافعون على مكاتبنا لإجراء العديد من المكالمات الهاتفية، لأن ذلك كان متعذّراً عليهم من الموقع الذي كانوا يختبئون فيه مع صدام، فحين كانوا يمرّون لتسلّم البريد أو لتسليمه لم نكن نجرؤ قط على السؤال عن حال الرئيس بشكل مباشر، بل كنا نكتفي بالقول «شلونك؟» أو «شلون الوضع؟».

كان ذلك أسلوبنا في الوصول إلى الجديد من الأخبار. لقد كنا بعيدين عن صدام ولكننا على اتصال به من خلال بريده وكنا نتطلع لمعرفة المزيد عنه.

عندما سيطر الأميركيون على المطار في اليوم التالي لظهور صدام في العلن يوم 5 ابريل، أخبرني أحد الأصدقاء أن العديد من جنود العدو قد لقوا حتفهم في المعارك، وقد رفع ذلك معنوياتي قليلاً، لكن الوضع ما لبث أن انقلب في اليوم التالي وظل يسير من سييء إلى أسوأ.

ومنذ ذلك الوقت صرنا معزولين عن صدام، وصار البريد الذي كنا نرسله إليه يعود إلينا بعد بضع ساعات من دون أن يكون قد اطلع عليه أحد، فقد كان السائقون الذين كنا نعهد إليهم به يقولون لنا إنهم لم يعثروا على أي شخص في المواقع المرصودة لاستلام هذا البريد، فلا شك أن صدّام قد اضطر لأسباب أمنية أن يغيّر ملاجئه باستمرار.

وأن لا يخبر بذلك إلاّ أقل عدد ممكن من الناس، فلم يعد حرّاسه الذين كانوا سعاته يعرفون أماكن وجوده، فقد كان يقال قبل الحرب إن الشخصين الوحيدين اللذين كانا يعرفان مكان وجوده باستمرار هما ابنه الأصغر قصيّ، وارثه والمسؤول عن حرسه الخاص، ثم عبد حمود ذراعه اليمنى.

وكون أن البريد لم يكن يصله فذاك أمر تعودنا عليه في الماضي وكان مردّه لتشوّش في الإدارة، أما هذه المرة فقد كان الأمر مثار قلق وحيرة، حيث أحسست أن الوضع على غير ما يرام.

في السابع من ابريل ذهبت إلى مكتبي لآخر مرة. وعلى الرغم من أننا كنا فقد فقدنا الصلة مع الرئيس فلا شيء كان ينبئ بالهزيمة الوشيكة، فقد قيل لي إن صدّام كان قد عقد اجتماعين مع المقربين إليه، فالاتصال إذن لم ينقطع ما بين القادة العراقيين. أحد هذين اللقاءين جمع ما بين أعضاء من أسرته.

حيث داعب صدّام هؤلاء ومازحهم على ما يبدو، وكان يحمل حزاماً من المتفجرات حول خصره، مثلما كان يفعل قصيّ وعديّ. ويقال إنه داعب عليّاً نجل الفريق حسين رشيد، وهو رجل من رجال أمنه الأقوياء، حيث قال له ضاحكاً:

- كم لك من الأطفال يا علي؟ وأنت يا حسين كيف حالك؟

وقد تركوا صدّام، وهم يشعرون أنه أراد أن يوهمهم بأنه، على الرغم من خطورة الوضع القصوى، لم يفقد رباطة جأشه، وكان قبل ساعات من ذلك الاجتماع قد اصطحب أصيل زوجة قصي واطفالها الثلاثة لكي يودّعوا أطفال رغد ورنا وهالة بنات صدام الثلاثة، وقد افترقوا في حي المنصور.

أين ذهبت الدفاعات؟

في اليوم نفسه قام الأميركيون بقصف المكان ظناً منهم أن صدّام وعائلته موجودون فيه، ومرة أخرى أنقذت الحاسة السادسة حياة الرئيس، لكن الأميركيين لم يضلوا الطريق كثيراً: فقد كان الرئيس يحتل أحد البيوت في الحي، وكان قد استدعى ابنيه قصي وعدي وأهم المسؤولين في الأمن.

وفي لحظة اللقاء المتفق عليها لاحظ أحد المقربين من صدام، اللواء عبدالجليل الحبّوش، غياب قائد الاستخبارات، فراح يتساءل في ذهول عن سبب تأخره، وما لبث أن فهم في تلك اللحظة أن جاسوسه الرئيسي قد غدر به.

وهكذا أدرك صدّام وقصي وعبد حمود أن المؤامرة قد بدأت تحدق بهم، فسارعوا بإخلاء الشقة، وما هي إلا لحظات حتى حوّلت الصواريخ الأميركية البيت إلى انقاض، فلم يبق من البيت سوى فوهة فاغرة، وقد نجا صدام من الموت، لكنه أدرك أن الخيانة باتت تحاصره وأن سلطته قد بدأت تتأرجح من الداخل.

وعندما رأيت في اليوم نفسه على القناة الأميركية «فوكس نيوز» صور المدرعات وهي تتوغل في قلب بغداد، دون أن تعترضها أي مواجهة من الجيش العراقي لم تُصدق عيناي تلك الصور والمشاهد، فقد كانت الدبابات تمر أمام أحد المساجد.

وكانت جثث الشهداء ملقاة على الطريق. وقد كانت هذه القوات آتية من المطار تتقدم بسرعة ثمانين كيلو متراً في الساعة من دون أن يعترض سبيلها أي عائق من العوائق. كنا في المكتب نتابع تلك المشاهد بكثير من الذهول، لكننا كنا نثق في الحرس الجمهوري وفي الحرس الخاص للرئيس، ونعلم أنهما كانا قد نصبا القذائف والصواريخ دفاعاً عن العاصمة.

لكنّ أحد السائقين ما لبث أن سألنا في ريبة وذهول:

- ولكن أين ذهبت دفاعات بغداد؟ وأين وصلت هذه المدرعات الأميركية المجنونة؟

قلت له:

- إنها بالقرب من تمثال شواف.

- مستحيل! لقد ملأت خزّان السيارة بالبنزين هناك! لم أر أي مدرعة!

- لعل الأمر مجرد تركيب صور.

كان الأميركيون بالفعل يُظهرون أنهم قادرون على الدخول إلى بغداد والخروج منها بسهولة وبلا مقاومة، ومن هنا بدأ الذهول يتملكني.

في اليوم التالي، يوم 8 ابريل، تناولت فطوري في البيت. كانت زوجتي لا ترغب في أن أذهب إلى العمل، وظللت أنتظر حتى الساعة الحادية عشرة، وظل القصف متواصلاً، لكنني لم أكن أستطيع أن أتأخر أكثر من ذلك عن عملي.

وفكّرت، عارٌ عليك أن تبقى هنا هادئ البال ورفاقك هناك يقاسون في العمل.

وركبت سيارتي وانطلقت، كان عليّ أن أعبر نهر دجلة حتى أصل إلى المكتب، كان الجسر الأول، جسر الجمهورية، مغلقاً، وكذلك الجسر الثاني والثالث، أما الجسر الوحيد الذي كان لا يزال مفتوحاً للسير فكان يقع بالقرب من المدينة الطبية في الأعظمية. كانت الطرقات على الجانب الآخر من ضفة النهر، خالية، لكنّ أحد الأطفال استوقفني متسائلاً:

- إلى أين يا سيدي؟

- إني ذاهب إلى العمل.. إلى مكتبي، فقهقه مستغرباً:

- أي مكتب؟ فالأميركيون عند نهاية الشارع.

«هذا مستحيل - قلت لنفسي - أمس فقط كنت هنا، وكذلك الحكومة والجنود العراقيون...».

لم أعد أفهم شيئاً في تلك الوضعية، وبدأت أفكر في داخلي أن لا شيء يمكن أن يفسر هذا التشتت والانهزام سوى الخيانة، ورجعت أدراجي نحو البيت.

لم أكن أنا الوحيد الذي وقع في الحيرة والاضطراب، فقد روى لي أحد الشهود ليلة سقوط بغداد انه رأى وزير الدفاع سلطان هاشم - الذي كان رجلاً سييء الصيت على أعلى مستويات السلطة على الرغم من خبرته الكبيرة - وهو يبكي أمام تقدّم القوات الأميركية، فلم يجد بدّاً بعد محاولاته اليائسة من أن يتقهقر ويُذعن للخصم وهو يقول:

- قُصيّ دمّر الجيش وعبد حمود دمر الدولة!

لم نتلقَّ على الإطلاق أي أوامر بالتفرق. في اليوم التاسع من ابريل مكثت في بيت أخت زوجتي في حي زيتونة، الذي كان ملاذي مع الأسرة.

في الصباح حاولت مرة أخرى أن ألتحق بالمكتب لكن دون جدوى، فقد ظللت مشدوداً إلى الإذاعات الأجنبية الناطقة بالعربية، البي بي سي أو إذاعة مونتي كارلو، التي ما لبثت أن أكدت سقوط النظام خلال عصر ذلك اليوم. وبذلك دقت ساعة فرار أهم القادة العراقيين.

كان صدام يحتفظ بثلاثة سائقين لم يكن أيّ منهم يعرف الآخرين، كان أحدهم ينتمي لعشيرة الغزاوي وآخر لعشيرة الدليمي والثالث للعشيرة الرئاسية من التكريتيين. فقبل الحرب بقليل، كان الرئيس قد حصرهم في ثلاثة مواقع مختلفة من بغداد، وكان العديد من الحراس يراقبونهم، وظني أن صدّام قد لجأ إلى أحدهم حتى يفرّ من بغداد الواقعة لتوها في قبضة الأميركيين.

كان استسلام المدينة يجري في أجواء غريبة، فما زلنا نذكر تفكيك تمثال الرئيس في ساحة الفردوس في قلب بغداد، لكن صور الحدث تعرضت للكثير من التلاعب.

فهناك كان عدد الصحافيين الذين هلّلوا وصفقوا للحدث يفوق عدد العراقيين بكثير، وباستثناء الأحياء الشّيعية الفقيرة، التي تعرضت لقمع النظام في السابق، فلم تكن البهجة على موعد مع ذلك الحدث، على الرغم من أن الأغلبية الساحقة من العراقيين كانت مسرورة بما كان يجري من أحداث.

وبينما كانت مشاهد النهب تتضاعف عبر البلاد تحت أنظار الأميركيين اللاّمبالية، كانت مشاعر الخشية والفزع من تقلبات ما بعد صدّام قد بدأت تدب في النفوس.

وفي عصر التاسع من ابريل، كان محمد الصحاف وزير الإعلام لا يزال في استوديوهات القناة التلفزيونية الفضائية العراقية، حين تلقى رسالة مكتوبة من طرف الرئيس. وقد قرأ مقطعاً قصيراً منها أمام الموظفين الباقين معه.

- إن الرئيس سيزورنا بعد قليل.

بعد ذلك بلحظات مرت ثلاث سيارات دون التوقف أمام الاستوديوهات، فقد كانت تنطلق نحو الشمال في اتجاه تكريت، وبذلك فهم الصحاف أن كل شيء قد انتهى فأطلق بدوره ساقيه للريح.

وفي يوم السبت 12 ابريل مرّ الصحاف ثانية بالقرب من استوديوهات التلفزيون، التي كانت قد تحولت إلى أنقاض، وتوجه نحو بيت مقابل كان يأوي معهداً للتكوين السمعي البصري. وكان حارسه الخاص يراقب مدخل المكان عن كثب، كان الصحّاف يمسك بيده كمية من الأشرطة.

وكان يبحث عن مهندس لتركيبها، فوجد هناك نجل ابن عمتي، مقدم البرامج الإذاعية باللغة الكردية، الذي قدّم له يد المساعدة. كان الأمر يتعلق بخطاب لصدام يقول فيه الرئيس «إنّ المعركة لم تنته...». في تلك الأثناء كانت سيارة «التويوتا 44»، التي جاء فيها محمد الصحاف قد فُككت وجُرّدت من كل مكوناتها.

يتبع

عبودي 1
05-03-2006, 14:38
سنوات صدام ـ الحلقة الثالثة ـ من الذي غدر ببغداد؟

صدام : سكان الجنوب أشجع من المقرّبين الذين خانوني

على الرغم ممّا أصابني من دهشة للسرعة التي استولى بها الأميركيون على بغداد، فإني لا أجد بداً من الإقرار بأني قد ذهلت أيما ذهول، حين علمت بعد مرور ثلاثة أيام على سقوط النظام أن محمد الصحاف، وزير الإعلام، كان ولا يزال يسعى لإسماع صوت الرئيس العراقي. فقد اختبأ في بيته لبضعة أسابيع، رافضاً أي مقابلة حتى إذا كانت مدفوعة الأجر.

وبعد ذلك استسلم للأميركيين، الذين ما لبثوا أن أطلقوا سراحه، فهو القائد العراقي الوحيد الذي عرف كيف يتخلص بلباقة من المأزق.

بعد سقوط بغداد بأيام قليلة، ظهر صدام لأخر مرة في الأعظمية، حيث راح يُحيي من داخل سيارته بعض الناس، ومن بينهم امرأة عجوز تقدمت منه لكي تمدّ له سبحتها وهي تقول على ما يبدو: »حفظك الله!«. ثم تقدمت السيارة حتى منتصف الجسر حيث خرج صدام منها، ثم التفت نحو الأعظمية، وراح ينظر إليها في حركة أشبه بوداع لحي أعزّه وتعلق به كثيراً، ثم صعد في السيارة قبل أن يختفي عن الأنظار.

في اليوم نفسه، كان صدّام قد سجل شريطاً أذاعته محطة الجزيرة أكد فيه: «إنّ أقرب الناس إليّ هم الذين وجهوا لي طعنة من الخلف»، لم يستعمل صدّام كلمة «خيانة» لكن وكأنه قالها بالفعل.

وقبل فراره قيل لي إنه توقف عند أحد أصدقائه لبعض دقائق بالأعظمية وقال له وهو يضع يده على فخذه:

ـ سكان الجنوب أشجع من المقربين إليّ الذين خانوني، فهؤلاء ليسوا أفضل من نعل حذائي.

موجة الخيانات

في الشهور التي سبقت الحرب، سعى الأميركيون للتقرب من رجال أعمال ومسؤولين عراقيين عن طريق الهاتف، وقد كانت الرسالة واضحة: «إن هزيمة العراق وشيكة فلماذا تظلون إلى جانب المهزومين؟ التحقوا بنا! فسوف تكسبون المال، وسوف تحتلون مناصب في العراق الحر الذي سوف نبنيه معاً».

وقد زعم بعضهم أن الأميركيين قد نجحوا في إقناع الكثير منهم، وقد ذُكر اسم أحمد حسين رئيس الديوان. ويقال إن الأميركيين قد اتصلوا أيضاً بأكرم عطّا مدير مصلحة الديوان بالرئاسة بوساطة مراسل أجنبي، وأن هذا الأخير قد قال له بأن الحرب لا معنى منها، ونصحه بأن ينسحب من النظام، لكن أكرم عطّا رفض العرض، غير أنه مع ذلك لم يُطلع رجال الأمن بهذا الاتصال مع العدو، ربما بدافع الخوف من الانتقام.

أما أنا فلا أحد سعى للالتقاء بي، لكن وزير الداخلية العراقية الجديد نوري بدران، الذي اختاره الأميركيون للتعاون معه ومع أعضاء آخرين من المعارضة، ما لبثوا أن صاروا صلة وصل ما بين وكالة الاستخبارات الأميركية وما بين ضباط عراقيين زوّدهم الوزير بهواتف نقالة متطورة، كان النظام قد حظر استعمالها تحت طائلة ملاحقات صارمة، فقد كانت هذه الهواتف مخصصة للقادة وحدهم، وكان قصي، مثلاً، قد جلب منها مئات عديدة من أحد البلدان المجاورة.

أمام تضاعف هذا النوع من الاعترافات، صارت موجة الخيانات لا تثير أي شك اليوم. لقد صدرت الأوامر بعدم محاربة الأميركيين الزاحفين على بغداد، وأنا على يقين من كل ذلك. فحول محيط المطار، كانت قيادة إحدى الوحدات قد طلبت من رجالها أن تنتظر وصول المدد والعون، قبل أن تبدأ في استعمال الأسلحة.

وفي غضون ذلك، كانت عشرات عديدة من المدرعات الأميركية تنقضّ على بغداد، بل وحتى في داخل الوحدات النخبوية فضل بعض الرجال الامتناع عن خوض المعركة، فقد قال لي أحدهم إن قائده قد منعه من تفجير الألغام المزروعة تحت الجسور.

فقد أمره هذا القائد قائلاً:

ـ ابق مكانك! واسحب رجالك!

وفي شرق بغداد، كان جسر ديالى ممتلئاً بالعبوات الناسفة، لكن لم تنفجر منها أي واحدة!

لكن من الذي غدر بصدام؟

فحتى يحبط تقدم الأميركيين، تلقى اللواء ماهر سفيان التكريتي الأمر بإطلاق صواريخ على بغداد، حتى وإن خلّف ذلك خسائر في أرواح المدنيين العراقيين. كان قريب صدّام هذا قد عيّن العام 2002 قائداً لوحدة المرافقين أي حراس صدام، وهي الوظيفة التي حل محله فيها قبل الحرب ببضعة أشهر العميد حبيب.

كان ماهر سفيان رجلاً من رجال الظل، على غرار كل قادة الرئيس، فقد اقتربت منه من حيث لا أدري العام 1998، كنت أنتظر سكرتير الرئيس الخاص في مكتب رئيس الديوان أحمد حسين، حين دخل رجل أشقر بزي مدني، وقد تبادلنا الحديث نحو خمس دقائق قبل أن يغادر المكتب. بعد خروجه أخذ عليّ أحد كتّاب الديوان عدم تقديمي المراعاة والتقدير اللائقين بمرتبته.

كنت بالفعل أجهل هذا الرجل، الذي كنت أتحدث معه للتو. وحسب التقارير فإن ماهر سفيان قد تسلّم خمسة وعشرين مليون دولار مقابل الخيانة. وقد اعترف ضمنياً بهذه الاتهامات فيما بعد، فقد باح سره لبعض المقربين إليه قائلاً:

ـ لم أرتكب أي خيانة، بل على العكس وفرت خسائر عراقية حين رفضت معركة غير متكافئة أمام الأميركيين.

وثمة مؤشر آخر يؤكد الشكوك الدائرة حوله، وهو أن اسمه لم يرد ذكره في قائمة الشخصيات العراقية الخمسة والخمسين التي ألح الأميركيون في البحث عنها.

وثمة أيضاً مسؤولون آخرون يشتبه في ارتكابهم للخيانة، ومنهم حبوش رئيس المصالح الاستخبارية، والذي لم نسمع عنه خبراً منذ بداية الحرب، والفريق حسين رشيد الأمين العام لقيادة القوات المسلحة ونجله علي الذي كان يعمل إلى جانب قصيّ. وقد ورد أيضاً ذكر صهر صدّام جمال مصطفى السلطان الذي كان مسؤولاً عن مكتب العشائر، والذي كان قد عُيّن العام 2002 مساعداً لعبد حمود. وقد استسلم جمال مصطفى للأميركيين في التاسع عشر من ابريل بعد مرور عشرة أيام فقط على سقوط بغداد.

مترجم صدّام

كنتُ وأنا طفلٌ أحلم بأن أكون طيّاراً حربيّاً، لكني صرتُ، حين كبرتُ، مترجماً خاصاً لصدّام، وما زلتُ حتى هذا اليوم أسائل نفسي، حين أنظر إلى الوراء، أيَّ معجزةٍ أوصلتني إلى ما وصلت؟ فلعله القدر أو إنْ شئتم «المكتوب» كما يسمّونه في الشرق الأوسط، ومع ذلك فقد بدأتْ الحياةُ بالنسبة لي على سوء تفاهم، في الأول من ابريل من عام 1945 في بغداد.

في تلك الأثناء لم تكن إدارة الحالة المدنية منضبطة في كل الأحوال. وعلى الرغم من ذلك، فقد جاء تسجيل ميلادي في موعده على خلاف إخوتي وأخواتي جميعاً. في ذلك المساء كان عبدالمجيد، والدي، في أحد النوادي برفقة بعض الأصدقاء. وحين بلغه الخبر السعيد فرح له أيّما فرحٍ، ولمّا حاول أن يتوارى عن صحبه ليلتحق بوالدتي قهقه الصحب وقالوا:

«إنها كذبة ابريل! لا تغادرنا!» فوالدي إذنْ لم يعلم بميلادي إلا في آخر ساعة في الليل، ولذلك فمثل هذا اليوم من ابريل لا يمكن أن يُنسى بأي حال!

تَعُودُ أصولي الكردية بجذورها إلى السليمانية في شمال العراق، التي انحدرت منها سُلالات والدي ووالدتي. في بغداد كنا نتحدث الكردية داخل البيت، لكننا لم نكن نتحدث خارجه غير العربية، اللغة السائدة، فقد كنت أتحدث بكلتا اللغتين منذ الطفولة. وكان والدي يغضب أحياناً حين يراني أتبادل الحديث بالعربية مع إخوتي أو أصدقائي، فيردّد في سخطٍ وتذمّر: «علينا أن نحافظ على لغتنا!». لقد كان أبي متمسّكاً بتقاليدنا العائلية أيما تمسك، مولعاً بعاداتنا أيّما ولع.

كان والدي، الموظف بالجمارك قليل الاهتمام بالسياسة. كان مكلّفاً بمطاردة المهربين الذين كانوا ينتشرون بكثرة في العراق، فقد كان هؤلاء المتاجرون يسربّون الكحول في اتجاه الكويت والعربية السعودية عن طريق قنوات سرية، أما مع إيران فكانوا يُقايضون الشاي بحمولات من الفول السوداني والفستق. كان هؤلاء المهرّبون ينعمون بهذه التجارة كثيراً، لأنّ حدود العراق مع جيرانه كانت من الاتساع والامتداد بما يجعلها لا تخضع لأي مراقبة، ولم يتغير هذا الوضعُ اليومَ كثيراً.

وسوف أظل أذكر دوماً ذلك الهلع الذي أصابني ذات صباح حين اكتشفنا خنجراً مغروزاً على باب البيت، فقد كنا جميعاً تحت وقع الصدمة، كان ذلك العمل تهديداً سافراً ضد والدي، الذي كان قد أوقف للتو إحدى العصابات، لكنّ ذلك التهديد لم ينل من عناد والدي وإصراره على أن لا يستسلم للتهديد والابتزاز.

في الخمسينات والستينات، كانت الحياة في بغداد تبدو مهتزة مرتجة. كان الجو العام فيها متحرّراً طليقاً. كنا نذهب إلى السينما لمشاهدة الأفلام الأميركية، وكنت مولعاً بالأفلام التي يمثل فيها برت لانكستر، وكنت أقرأ الترجمة العربية لروايات موريس لوبلان وأهيم بمغامرات أرسين لوبين. وكنت أذهب مع العائلة إلى حفلات المطربة اللبنانية الكبيرة صباح.

قبل العام 1968 كانت الحكومات الملكية أو الجمهورية قد فرضت قيماً حضرية على القرويين وسكان الأرياف القادمين للاستقرار في العاصمة. وقد كان النازحون الجدد يسعون إلى «التّبغدد» بالتخلي عن لهجتهم الريفية، حتى لا يبدو عليهم مظهر التخلف.

ومع قدوم صدام وقومه من التكريتيين إلى السلطة، خلال السبعينات، انقلبت الظاهرة رأساً على عقب. فقد صارت الأرياف هي التي تفرض عاداتها ونمط حياتها على البغداديين. وهكذا صارت القيم العشائرية تقرض وتقضم شيئاً فشيئاً، الطابع الغربي لتلك الحياة التي أحببتُها كثيراً.

كنت، منذ الطفولة، قد تعلمت الانجليزية بالمعهد الأميركي للّغات في بغداد. وعند نهاية دراستي الثانوية رغبت في أن أحقّق أحلامي في الالتحاق بالقوات الجوية، لكنّ والدي ما لبث أن رفض هذه الرغبة لما في هذه المهنة، حسب رأيه، من خطورة بالغة، ناهيك عن أن أبناء الطبقة البرجوازية لا يحق لهم أن يكونوا غير أطباء أو محامين أو مهندسين، ولذلك لجأ إلى حيلة من حيله الماكرة حتى أعدل عن تلك الفكرة، حيث قال لي:

ـ إذا تنازلت عن فكرة انخراطك في الجيش، فسأدفع عنك تكاليف أربع سنوات دراسة في انجلترا لكي تصبح مهندساً.

وعن طيب خاطر قبلتُ بالعرض، وقد تملكني الفضول في اكتشاف الغرب ولا سيما انجلترا، تلك القوة التي كانت تحتل العراق يوماً. وهكذا وجدت نفسي عام 1962 في ثانوية «بُولتون» في منطقة مانشستر. غير أنني سرعان ما أدركت أنني لا أملك أيّ موهبة في الرياضيات أو الهندسة أو الفيزياء، بل كنت مولعاً بالأدب الإنجليزي أيما ولع، فكنت أمضي الساعات في التهام شتى أنواع الروايات. وكنت أعلم أنني لن أصبح مهندساً بأي حال من الأحوال.

وبعد مرور عام عدتُ إلى العراق لقضاء إجازات الصيف، وكان السفر بقطار الشرق السريع، الذي اشتهر في تلك الفترة حتى اسطنبول على الأقل، وقد استغرق السفر بعد هذه المدينة أربعة أيام، أدركتُ بعدها بغداد، التي وصلتها ذات يوم أحد، فوجدت والدي وقد أنهكه إعياءٌ ما لبث أن فارق على إثره الحياة في اليوم التالي، وكأنه آثر انتظاري حتى يلفظ ما بقي به من أنفاس، ولذلك لم أفكر في العودة إلى انجلترا لإنهاء الدراسة، واخترت الالتحاق بدائرة الآداب الانجليزية في جامعة بغداد.

بدأتُ حياتي المهنية بعيداً عن ضفّتي دجلة، ففي الستينات كانت بلاد الخليج تستقطب الكفاءات من سائر البلدان العربية، فكان المصريون والفلسطينيون والعراقيون يذهبون إلى هذه البلدان ليساهموا في بنائها بعقولهم وسواعدهم. وقد أرسل العراقُ أفواجاً من المدرسين إلى السعودية، وكنت واحداً من هؤلاء، فحصلتُ على وظيفة أستاذ للإنجليزية في السعودية. ووجدتُني في دهيبة وهي منطقة نائية في شمال البلاد.

كان يعيش في هذه القرية نحو خمسة آلاف من البدو تأويهم بيوتٌ بسيطة، قوامها الطوب والتراب المدكوك، وقد خلت من أسباب لين العيش، فلا ماء ولا كهرباء. إذ لا ثلاجات ولا تكييف، كان زادنا من الفواكه والخضر الطازجة يأتينا مرة أو مرتين في الشهر، تحمله إلينا إحدى الشاحنات المقبلة من العقبة، الميناء الأردني المجاور، وكانت هذه المؤونة تشحّ أحياناً، فأراني أمنّي النفس بشيء من الحليب الرايب ومن البندورة، ولو أتاني بها أحدٌ لأعطيته كامل الراتب.

في قرية دهيبة كنت أحسنّي بعيداً، فقد كانت بغداد وحياتها المضطربة تبدوان بعيدتين نائيتين، فلم يكن بالمكان سوى مظهر واحد للحداثةٍ هو مبنى المدرسة الجديد الوهاج، الذي شيدته شركة إيطالية في وسط القرية.

كان يزاملني بهذه المدرسة نحو عشرة من اللبنانيين والمصريين والفلسطينيين. أما إدارة هذه المدرسة فلم تكن تحق لغير سعودي، وكان الرجل يحترمني ويقدّرني كثيراً ولكنه كثيراً ما كان يقول لي في تذمرّ:

ـ أنتم العراقيون أصحابُ كفاءة واقتدار ولكنكم عنيفون عصبيّون، وتغضبون لأتفه الأسباب!

على مدى ثلاث سنوات ظللت أعيش حياة البساطة والتقشف، فكانت ساعاتُ لَهْوِي الوحيدة سهراتُ السّمر الطويلة التي كنتُ أقضيها على الشاطئ مع زملاء المدرسة. فتحت النجوم كنا نستذكر العالم ونتأمل غروب الشمس، ونحن نستمع إلى أم كلثوم على أمواج إذاعة «صوت العرب» التي كانت تبث من القاهرة. كانت تلك الفترة فترة انتصار الناصرية.

كنت كل عام أسافر إلى العراق أنفق فيه ما كسبته في السعودية. وفي آخر صيفٍ رغبت قبل العودة إلى بلادي في زيارة القاهرة وبيروت. في العاصمة المصرية استأجرت غرفةً من رجل عجوز، وذات مساء اكتشفت أن كل مدخراتي قد اختفت، وكانت قناعتي أنّ صاحب البيت هو الذي جنى عليّ فرفعتُ شكواي إلى المحافظة التي أشفقت على الرجل، فلم تجد بدّاً من القول:

ـ بالإمكان أن نعذّب صاحبك حتى يقرّ بفعلته، لكنه كما ترى طاعن في السنّ، وقد يموت بين أيدينا!

فشعرت بالمرارة وعدتُ إلى بغداد مُفلساً، مُعدماً!

تحديات لغوية

لكن الحظ ما لبث أن ضحك لي، فقد بلغني أن وزارة الصناعة العراقية كانت تبحث عن مترجمين عن الإنجليزية. وما إن حصلتُ على الوظيفة حتى وجدتُني متآلفاً مع عالمٍ جديد، عالم الإدارة والإحصائيات، لكنّ كلَّ ذلك لم يُثبط وَلَعِي بالثقافات الأجنبية وتعلّم اللّغات.

وهكذا شرعتُ، بمحض الصدفة المطلقة، في تعلّم الفرنسية: كنت في الواقع أرغب في تعميق لغتي العربية، لكن الدراسات في جامعة المستنصرية كانت تدوم أربع سنوات، بينما في المقابل لم تكن دروس الفرنسية تدوم أكثر من عامين. وهكذا، بقليل من الكسل وكثير من الفضول، انطلقت في تعلم لغة موليير.

بعد عامين من الدراسة حصلتُ على الشهادة، فقد صارت فرنسيتي سليمة، غير أنني ظللتُ أعاني من نقص كثير في التحدث وفي الكتابة على السواء، فلم أجد بداً من الالتحاق بالمركز الثقافي الفرنسي، طلباً لمزيد من الدروس في المحادثة. وهنا أيضاً ربما كان قدري مكتوباً وحسن طالعي متألقاً، ففي هذا المركز الثقافي الفرنسي تعرفت على زوجتي نُهى. ولم يزدني اكتشاف الفرنسية إلا حماسة وإقبالاً.

كان العام 1967 فترة ذهبية في العلاقات الفرنسية العراقية، فقد حصلت المؤسسات الفرنسية على عقود تلو العقود. وقد أبرمت وزارتا الصناعة في البلدين العديد من اتفاقيات التعاون، ارتبطت إحداهما بالمركز الوطني للإدارة الذي كنت انتقلت إليه. وبفضل شهر العسل هذا، حظيت بقضاء سنة كاملة في باريس بمعهد الإدارة العامة.

لكنّ مفاجأتي كانت كبيرة حين أدركت أن الفرنسية، التي تعلّمتها في بغداد، بعيدة كل البعد عن فرنسية الباريسيين، فهي تكاد أن تكون لغة أخرى مختلفة. ولذلك رحت أعمل بلا انقطاع ولا تأنٍّ وأخزّن من المفردات اللغوية ما وسعني التخزين، لدرجة أنني أنهيت امتحانات معهد الإدارة العامة النهائية الأول على طلبة الشرق الأوسط، وهكذا هزمت تحدياً لغوياً ولم يكن ذلك سوى بداية.

بعد مرور بضعة أشهر على عودتي إلى بغداد العام 1980 أعلن التلفزيون العراقي أن البلاد ستنظم بعد عامين في بغداد قمة للبلدان غير المنحازة. وحتى تُعِدَّ هذا الحدث، الذي كان صدّام حسين يُريد أن يصنع منه واجهةً، وجّهتْ وزارة الإعلام نداءً للشباب الذين يعرفون لغات عديدة أن يتقدموا بترشيحاتهم للحصول على وظائف كمترجمين ومترجمين فوريين، ومن يقع عليهم الاختيار يذهبون إلى الخارج لفترة اتقانٍ تدوم عامين في مدرسة للترجمة.

ولم أدع هذه الفرصة تفلت منيّ، فقد كانت انجليزيتي أفضل من فرنسيتي، فتقدمت بملف ترشح لمعهدٍ للغات في انجلترا، لكن الذين ترشحوا لمعهد لندن كانوا ثلاثة آلاف، بينما لم يزد عدد المرشحين لمعهد باريس عن الخمسمئة، ولما كنت أملك قواعد جيدة في الفرنسية فقد رشحوني تلقائياً لامتحان أوّلي في هذه اللغة، وفي هذا الامتحان أُقصي نصف المرشحين في الحال.

كان السلطات تُولي اهتماماً بالغاً لتنظيم هذه القمة الذي فُوّض أمرها لطه ياسين رمضان، أحد أعضاء قيادة الثورة، الجهاز الأعلى في العراق. ولذلك كان من غير الوارد على الإطلاق إرسال مرشحين من «المدعومين» أو من الكسلاء والطائشين. وبالفعل، لم يتم قبول سوى أفضل العناصر.

ولهذا الغرض استقدمت وزارة الإعلام إلى بغداد أستاذين فرنسيين من المعهد العالي للترجمة الفورية والترجمة «إيزيت» لإجراء الفرز الأخير. وكانت السلطات العراقية تريد الاحتفاظ بعشرة طلاب، لكن حين وقع حكم اختصاصيي «إيزيت» لم يبق من المرشحين الذين يملكون المستوى المطلوب للدراسة في باريس سوى خمسة، وكنت من هؤلاء المحظوظين.

كانت ظروف حياتنا في باريس ظروفاً غاية في اليسر. كنا نتقاضى عن كلّ شهر نحو سبعة آلاف فرنك فرنسي. وقد سكنت في بيت من ثلاث غرف في حي الدفاع «لاديفونس». وأكثر من ذلك فقد أمكنني شراء سيارة، فقد كانت حكومتنا تفي بالنفقات في الحال. في مجموعة العراقيين بمعهد «ايزيت» كان اندفاع البعض للمتع التي توفرها العاصمة الفرنسية كثيراً ما يطغى على أي حافز عندهم لتعلّم تقنيات الترجمة.

أما أنا فقد كان الخوف من الفشل يستبدّ بي كالوسواس، فكنت مع زميلتي العراقية ميسون وطالب من تونس نُراجع الدروس معاً. وكنت بعد العودة إلى البيت مساءً أشاهد أفلام «نادي السينما» على التلفزيون، وكنت أترجم الحوارات لزوجتي التي لم تكن تعرف الفرنسية كثيراً، وكانت تلك وسيلة إضافية لي على طريق الإتقان.

لم نكن، نحن المتدربين على نفقة حكومتنا، مضطرين لمتابعة فترة دراسية كاملة، فقد أعدت لنا إدارة المعهد برنامجاً خاصاً، لكن بعد مرور ستة أشهر، كنت وزميلتي ميسون قد قطعنا شوطاً من التقدم والنجاح، مما جعل الإدارة تقترح إدراجنا ضمن قائمة الدفعة الرسمية للمدرسة وإعداد الدبلوم. إنّ «إيزيت» مركز للتكوين الاصطفائي عالي المستوى، فالمدرسون فيه ليسوا منظرين بل محترفون للترجمة والترجمة الفورية.

فقد كان أحد الكوميديين يعلّمنا تقنيات التنفس وكيفيات بث الصوت وتحسين الإلقاء واللعب على النبرات. وكنا نستعمل الفيديو أيضاً حتى نتدرب على رصد الأخطاء، ففي «إيزيت» تحديداً تعلّمت قواعد مهنتي، وقد أفادتني نصائح أساتذتي على مدى حياتي المهنية: ألاّ أذهب لأي حديث بدون ربطة عنق، وأن أتفادى شرب الكحول حتى ولو من أجل التخلص من التعب العصبي المرتبط بالتركيز المكثف، وألا أدخّن كثيراً، وأن أقرأ الصحف يومياً حتى لا أنقطع عن الأحداث... إلخ.

وقد حصلت على الدبلوم في يونيو 1982، وعند إعلان النتائج قال لي أحد أعضاء لجنة التحكيم، وهو مترجم في «الفاو»، منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة، دون مقدمات: أنت مترجم ممتاز، هل ترغب في العمل في روما لحسابنا؟ لقد أحضرتُ معي استمارة توظيف.

كان اقتراحه مغرياً، لكن في واقع الأمر كان الواجب يعذبني: فلم يكن يسعني أن أتخلى عن بلادي التي مولّت دراساتي، وفي النهاية رفضت العرض في أدب، مخيّباً بذلك أمل زوجتي التي لم تغفر لي يوماً ذلك الرفض.

وعند عودتي إلى بغداد، كانت مفاجأة سيئة في انتظاري، حيث اكتشفت أن قمة البلدان غير المنحازة التي كنت أعدّ لها نفسي منذ عامين لن تعقد في العاصمة العراقية ولكن في نيودلهي بالهند! فالحرب ما بين العراق وإيران جعلت هذا اللقاء مستحيلاً، وشعرت بالخيبة والإحباط، لكنني وجدت عزائي في المهنة التي منحتها لي السنتان اللتان قضيتهما في فرنسا.

تحت رئاسة ناجي صبري

لكن فرصة القفز من جديد لم تطل كثيراً، فقد عينت رئيساً لدائرة الترجمة لندوات دار المأمون. فدار النشر هذه، التابعة لوزارة الإعلام والثقافة، مختصة في منشورات خطب الرئيس صدام حسين، فقد كانت تصدر صحيفة بالإنجليزية «بجداد أوبزرفر» وكذلك نشرة «بجداد» وهي مجلة شهرية بالفرنسية. في تلك الفترة كان مديري يُدعى ناجي صبري، وقد صار وزيراً للشؤون الخارجية العام 2001.

وما إن تسلمت الوظيفة حتى اقترحت عليه بأن «يُعرّق» قطاع الترجمة، فقد كان العديد من مترجمينا لبنانيين أو مصريين لقاء مكافآت كبيرة. ولذلك فإن إحلال عراقيين كان الكثيرون منهم عائدين مثلي لتوهم من تكوين في أوروبا، مكانهم كان سيكلفنا مبالغ أقل، وقد اقترحت أيضاً أن يُوزَّع نصف المال الذي نجنيه من الندوات على المترجمين من أجل تحفيزهم. وبدون تردّد قبل ناجي صبري هذا «التوطين». هذه السنوات التي قضيتها في دار المأمون كانت سنوات من الحرية الحقيقية. فقد كنت مُولعاً بعملي أيما ولعٍ، وقد تردّدت مرات عديدة على فيينا ونيقوسيا والبحرين، مترجماً للندوات التي كانت تنظمها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد عملت أيضاً بشكل منتظم لحساب وكالات متخصصة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة مثل «الأونروا» وكذلك «الفاو».

ثم ذات يوم من أيام 1987 دعاني ناجي صبري إلى مكتبه. ولن أنسى تلك اللحظات على الإطلاق، فقد أعلن لي قائلاً:

ـ سمّان، ستعيّن مترجماً رسمياً لدى الرئيس.

وأحسستني في السماء السابعة وكأن عناية الله قد أحاطت بي. في الظاهر، كان مترجم صدّام خليل الخوري، وهو لاجئ سياسي سوري يعاني من بعض المشكلات الشخصية، فكان لابد من استبداله، وقد أضاف ناجي صبري قائلاً:

ـ لقد اخترتك ليس فقط لأنّ فرنسيتك ممتازة، ولكن أيضاً لأن الشخص الذي سيعمل لحساب الرئيس ينبغي أن يكون مهذباً مثقفاً. فمترجم الرئيس سيحضر في الولائم الرسمية، وهذا الرجل سوف يكون أنت، هيا اركب! إن الوزير في انتظارنا.

كان لطيف نصيف جاسم، الذي كان يحظى بتقدير صدام حسين، يشغل منصب وزير الإعلام والثقافة، وما إن جلستُ بجانبه حتى سألني هذا السؤال المربك:

ـ ماذا كانت نتائجك في الجامعة؟

إلى الحد الذي جعلني لا أستوعب معنى هذا السؤال:

ـ آسف، سيدي الوزير، أي جامعة تقصدون؟

ـ لقد درست الترجمة، أليس كذلك، فهل كنت تلميذاً نجيباً؟

ـ أجل سيدي الوزير، لقد حصلت على 16 من 20 بدبلوم «الإيزيت».

ـ جيد، جيد، شكراً، إلى اللقاء.

ذلك هو الحديث الذي اضطرني إليه وزير الإعلام والثقافة.

في الأسابيع الأولى اعتقدت أنهم سيطلبونني أو أن مصالح الرئاسة ستستدعيني لكي تستجوبني، لكنّ شيئاً من ذلك لم يحدث على مدى شهور عديدة، فلم أتلق مكالمة هاتفية واحدة. وقد بدأ هذا الصمت يشغل بالي، ووضعت ذلك على حساب تدهور الأوضاع في العراق. كانت الحرب ضد ايران قد استنفدت موارد البلاد، فقد كان الآلاف من الشباب يذهبون إلى ساحات المعارك. وحتى يكثف تعبئة المجتمع أنشأ النظام الجيش الشعبي، فقد صار كل الناس، من شباب ودون الشباب، يُستدعون لقضاء أربعة إلى ستة أشهر في هذا الجيش.

وقد شاركت أنا نفسي في هذه الخدمة، حيث أرسلوني إلى منطقة زاخو الواقعة في الشمال على الحدود التركية. وفي خلال إجازة مدتها أسبوع واحد في بغداد، انتهزت الفرصة لزيارة أصدقائي وزملائي بالوزارة، وبعد أن غادرتهم صعدت إلى مكتب ناجي صبري لألقي التحية عليه. وما أن رآني حتى رشقني بالسؤال:

ـ هل تسلمت الرسالة؟

ـ لا، ما الأمر؟

ـ ولكننا في انتظارك منذ أسبوع، فالرئاسة في حاجة إلى خدماتك!

وعلى الفور استقبلني لطيف ناصيف جاسم، حيث سألني:

ـ هل أنهيت خدمتك في الجيش الشعبي!

وشرحت له أنني كنت في إجازة، وبأنني سأعود إلى الجبهة في صباح اليوم التالي.

ـ هذا غير وارد، ستبقى هنا!

ثم طلب سكرتيره وأملى عليه رسالة موجهة إلى قيادة الجيش الشعبي: «نحن في حاجة إلى سمّان عبدالمجيد، ولذلك يجب أن يُعفى من الخدمة العسكرية الإجبارية».

وأخذت الرسالة وتوجهت بها إلى قيادتي في الجيش التي أنهت تجنيدي. وبعد يومين عدت أدراجي إلى بغداد، حيث وجدت رسالة كان لطيف ناصيف جاسم قد تركها لي. كان علي أن أظل على أهبة الاستعداد، وأن انتظر الاتصال في أي لحظة.


يتبع

قصــ قـلــم ــة
05-03-2006, 18:33
بنتظارك يا بطل

معكم معكم
05-03-2006, 20:56
أول مرة ادخل السياسية عشان هالموضوع ....


بانتظار البقية ....

عبودي 1
05-03-2006, 22:39
^
^
^
^
^
^
والله كنت ناوي اوقف عن بقية الاجزاء لان حتى المتابعة مالقيت .
لكن مادام فيه لو شخص واحد يتابع راح اكمل .

قرقش بيك
06-03-2006, 05:52
تعيش يابطل انا بنتظارك

عبودي 1
06-03-2006, 09:12
سنوات صدام ـ الحلقة الرابعة

هوس مطلق بالأمن والسلامة، أمن صدام عالم مغلق يقوم على التدقيق والمراقبة المستمرين

خلال خمسة عشر عاماً لم أدخل مكتب صدام حسين سوى مرة واحدة. كان ذلك العام 1987 أثناء مهمتي الأولى بمناسبة الزيارة الرسمية للرئيس التشادي حسن صبري. لقد أدهشني الديكور المفرط في بساطته، حيث لا تلفزيون وقليل من الملفات المعلقة، فهل كان صدّام لا يدخل هذا المكتب إلا للعمل ليس إلا؟ لقد كان هذا المكتب أكثر ازدحاماً من مكتب عبد حمود سكرتيره الخاص، لكن نشاط صدّام ظل دوماً سرّاً خفياً.

ففي التسعينات كانت الصحافة العالمية قد تحدثت عن إصابته بأحد السرطانات لكننا لم نلحظ أي خلل في جدول زمنه، بل ولقد ضحكنا كثيراً حين أعلنت إذاعة «البي بي سي» عام 2000 أنه كان على مشارف الموت. فليلة هذا الإعلان، كنا قد رأيناه في كامل صحته! غير أنني، بالنظر للسرية التي كانت تحيط به، لا يسعني الجزم بأنه لم يكن مريضاً، لكننا لم نلمس فيه أي عرض من أعراض المرض.

في الحقيقة كان الرئيس يتمتع بطاقة كبيرة في العمل. فقد كان يسهر لساعات متأخرة من الليل، ففي كثير من الأحيان كان موظف الدوام في المكتب الصحافي يدعوني للالتحاق بالمكتب في حدود الساعة الحادية عشرة ليلاً لمراجعة البريد. وكان البريد بعد أن نرسله إلى الديوان يعود إلينا في حدود الساعة الواحدة أو الثانية صباحاً، مع التصحيحات الخطية لصدام ومرفقة بعبارة: «يرسل إلى المرسل إليه» وفي حالات الاستعجال كانت هذه الرحلة المكوكية بيننا وبين الرئيس تستمر لساعات جد متأخرة من الليل.

حدث ذلك مثلاً في خريف عام 2002 عندما أرسل صدّام حسين رسالة إلى قادة الدول العربية موضحاً لهم موقفه إزاء مشروعات الغزو الأميركية. فقد شرح لهم أن العراق كان قد قبل للتو بعودة مفتشي في نزع الأسلحة التابعين لمنظمة الأمم المتحدة، وقد واصل الأميركيون على الرغم من ذلك تهديداتهم. ولذلك فقد دعت تلك الرسالة البلدان العربية إلى مساندة بغداد، ملتمسة منها ممارسة الضغط على الأميركيين لتفادي العدوان الذي أراده جورج بوش ضد العراق.

وصلتنا الرسالة الخطية وعليها ملاحظة 0«عاجل»، وقد عادت إليه مطبوعة بعد ساعتين، ثم عادت إلينا ثانية في حدود الساعة الثامنة مساء مرفقة بإضافات عديدة. فقد كان صدام متعوداً على مراجعة نصوصه وخطبه مراجعة مستفيضة. وقد أرسلنا إليه الرسالة بعد التعديلات الجديدة في حدود الساعة العاشرة ليلاً، حملها إليه أحد حراسه الذي كان ينتظر في المكتب.

وأمكنني في الأخير أن أعود إلى البيت في حدود منتصف الليل، لكني فوجئت بمكالمة ما لبثت أن دعتني للعودة إلى القصر، وحين وصلت وجدت علي عبدالله غارقاً في العمل يُرافقه ناسخان، فقد أدخل الرئيس تعديلاته النهائية على النص، مع الأمر بإرسال البريد بعد تصويره بأسرع ما يمكن، إلى الأعضاء الثمانية عشر في القيادة الإقليمية للبعث، وقد كان صدام ينتظر تعليقاتهم عليها قبل منتصف اليوم التالي.

لقد عملنا في تلك الليلة حتى الفجر. وقد جاءت الردود على تلك الرسالة عند منتصف النهار بالضبط، وقد تأخر ردّان أو ثلاثة عن تلبية النداء، لأن المرسل اليهم كانوا خارج بغداد، لكنّ صدّام لم يكلف نفسه البحث عن اسباب تغيبهم، وقد أرسل إلينا نسخته النهائية في حدود الساعة الخامسة عصراً، طالباً منا إرسالها إلى قادة الدول العربية ونشرها وترجمتها إلى الانجليزية - مع ظهور الانترنت صرنا ندرج على موقع الديوان مجموع خطب الرئيس ورسائله بالعربية والانجليزية معاً - اجمالاً استمرت الرحلة المكوكية بيننا وبين الرئيس أكثر قليلاً من أربع وعشرين ساعة.

ملاحظات نقدية للرئيس

كان صدام دكتاتوراً، لكنه كما يثبته هذا المثال، لم يكن يتخذ قراراته بمفرده. لقد جهل الكثيرون هذا الجانب من ممارسته للسلطة. فلم يكن يحرّر أي خطاب مهم من دون عرض محتواه على أعضاء القيادة. فعلى هذا النحو، في خمس مناسبات أو ست - كما حدث يوم 6 يناير، يوم ذكرى انشاء الجيش أو 16 يوليو يوم الاحتفال بذكرى الثورة البعثية - كان صدام يرسل إليهم النسخة النهائية من الخطاب، لكن أغلبية الأعضاء كانوا لا يخاطرون بأي تعليق، فيكتفون بإجابات تمدح وتثني على الصيغ «المستنيرة» و«الرائعة» للخطب، التي، في رأيهم، ستظل خالدة في تاريخ العراق.

كان طارق عزيز وهُدى عمّاش، المرأة الوحيدة التي تقلدت مقاليد القيادة القطرية للبعث العام 2001، الوحيدين القادرين على إبداء ملاحظاتهما النقدية، فقد كان عزيز، في غالب الأحيان، يضيف ملاحظات فنية حول السياسة الخارجية. ففي العام 2001 مثلاً وبينما كان الرئيس ينتقد البلدان الأوروبية المنحازة للولايات المتحدة.

أضاف طارق عزيز على هامش النص «إنني اقترح عليكم أن لا تذكروا فرنسا لأننا نعمل في الوقت الحالي على بعث الدفء في علاقاتنا مع باريس». وقد أخذ صدّام بهذه الملاحظات في خطابه واستثنى فرنسا من ذلك النقد، أما ملاحظات هُدى عمّاش، على العكس، فقد كانت أكثر جرأة بل وتلامس أحياناً حدود الوقاحة، فقد كانت ترسل إليه احياناً ثلاث أو أربع صفحات من النقد.

فقد حرّرت ذات مرة ملاحظاتها على خطاب لصدام ادّعى فيه أن العراق كان قبل وصول البعث إلى الحكم عام 1968 بلداً من الصعاليك، فالعراق الحديث في رأيه قد ولد مع البعث. وعلى هذا الإدعاء ردّت هُدى عمّاش بالقول بأن ذلك قد يسيء إلى بعض الأشخاص ويجرحهم، وقالت للرئيس: «إنني اقترح عليكم إلغاء هذا المقطع من خطابكم»، لقد قالت ذلك بصراحة نادرة، لكن مع الأسف - لأنها كانت محقة فيما قالت - لم يأخذ صدام باقتراحها.

وبشكل عام كان صدّام يأخذ بعين الاعتبار الملاحظات المرتبطة بالعلاقات الخارجية وليس المرتبطة منها بوضعيتنا الداخلية. لكن لماذا كانت هدى عماش تجرؤ على تحديه؟ فحتى وإن كانت حديثة العهد بإدارة الحزب، فلم تكن تجهل المخاطر التي كانت معرضة لها، والتي قد تصل إلى حدّ الفصل. فهذه المرأة التي كان والدها وزيراً سابقاً للدفاع، كانت ببساطة امرأة شجاعة ليس إلا.

لقد كان صدّام يردّد، في كل اجتماع، على أعضاء القيادة وعلى الوزراء، بأنه حريص على معرفة آرائهم حول هذا الموضوع أو ذاك، أو هذا القرار أو ذاك، لكنّ محدثيه لم يكونوا يوجّهون إليه سوى المدح والثناء والإطراء، فقد كانوا يخشونه ويخافون من عواقب غضبه، على الرغم من أنهم كثيراً ما كانوا يفرطون في وصف غضب الرئيس. وممّا لا شك فيه أنّ مناخ الرعب الداخلي، الذي صنعه صدّام وأشاعة، ما لبث أن خدم مصالحه، فلم يعد في النهاية محاطاً إلاّ بالممالقين المداهنين، وهو ما أساء إلى مسيرة البلاد أيما إساءة.

لا أحد كان يعرف متى يأخذ صدام إجازاته، لكننا كنا نلاحظ أنّ نشاطه كان يقل في بعض الفترات، وكنت أشير بذلك إلى صديقي علي عبدالله. فقد كان صدام يذهب إلى صيد السمك، وكان ذلك من هواياته المفضلة، أو إلى صيد الخنزير البري والغزال. وقد كان يستورد الحيوانات من الخارج ليتم إطلاقها في مزارع شاسعة بالقرب من تكريت. وكان يحبّ الإحساس بالخطر وما فيه من إثارة. فعند عودتي ذات يوم من مهمة تفتيشية على أحد القصور قال لي عبد حمود الذي كان يقوم ببعض المناورات الخطيرة على متن المروحية التي كان يقودها.. مبتسماً:

- آه لو كنت إلى جانب الرئيس عندما كنا نخرج للصيد بالمروحية! لم نكن مطمئنين على أي حال!

هوس بالأمن

كان صدّام مهووساً بأمنه وسلامته، فلم يكن يسمح لأحد بالاقتراب منه إلا لقلة قليلة من الناس. ولم يستقبل يوماً أيّاً من ضيوفه من دون مرافقة أحد حرّاسه، يسانده حارسان شرسان آخران أو ثلاثة على أهبة الاستعداد قريباً من صدّام. ومن باب الحيطة كان عبد حمود، الذي كان حارسه الخاص لفترة طويلة، يحمل السلاح هو الآخر، ونادراً ما كان الرئيس يستغني عن سلاحه، وهو عبارة عن مسدّس من نوع «براونينغ» 9 ملليمتر. ففي عشيرته كان الآباء يدرّبون أطفالهم على الرماية منذ الصغر.

وفي عامة الثاني عشر، كان مولود قصي الأول، مصطفى الذي قُتل في الهجوم الذي شنه الأميركيون على البيت الذي كان يختبئ فيه مع أخيه الأكبر، كان مولود قصي هذا يتقن استعمال بندقية الصيد.

كان حراس صدّام يمثلون جزءاً من وحدة المرافقين. وقد كان هناك نحو عشرين منهم، وكلهم من أقارب صدّام المباشرين، وكانوا يشكلون النواة الصلبة في هذه الوحدة، وكنا ندعوهم ب«الخط الأول». فقد كان يقودهم اللواء ماهر سفيان التكريتي المتهم بالخيانة. والحال أن هذا الأخير قد خلفه العقيد حبيب في شهر ديسمبر 2002، أي قبل الحرب بأربعة أشهر فقط، فلعل صدّام، الذي كان يحذر الجميع، لم يطمئن لهذا الشخص.

كان الأمن هو المصلحة الأكثر أداءً وكفاءةً في الديوان، فقد كان يُشكّل كياناً قائماً بذاته، تابعاً مباشرةً لأمن الرئيس، الذي كان يقوده قُصي بمساعدة عبد حمود. فقد كان الأمن عالماً مُغلقاً، وقد كان يقوم بعملية التدقيق والمراقبة قبل توظيف أي موظف جديد بالرئاسة، ولقد سبق وأن قلت إن الأمن كان يضع واحداً من عناصره في كل مكتب من المكاتب، إذ كان يعمل في أماكن محاطة بكامل السرية، فلا أحد كان يعرف دواليب سيره.

وقد كان الأفضل على أي حال ألاّ يعرف أحد عن سيره شيئاً، غير أنني ما لبثت أن أدركت أنّ إحدى البنايات المجاورة لبنايتنا كانت تأوي نشاطاته. فقد كان مجهزاً عند المدخل بنظام من الأشعة تحت الحمراء، تطلق إنذاراً كلما اجتاز أحدهم الممرّ المؤمَّن. وقد كان أعضاء الأمن الخاص لا يقبلون بأي زيارة، وكانوا يتكتمون على أسرار وخفايا أعدائهم وتنقلاتهم.

وخلال ثلاثة عشر عاماً من الوجود في القصر، أمكنني مع ذلك أن ألتقي بالعديد من أعضاء الأمن الخاص بصدّام. وقد كانوا قساة في تصرفاتهم، وينفّذون الأوامر بالدّقة وبالحرف. وقد حدث في عام 2002 أن جاء أحد الحراس ليسلّم في حدود الواحدة صباحاً رسالة رئاسية لسكرتير الصحافة.

في تلك الساعة كان علي عبدالله قد عاد إلى بيته وقد ناب عنه أحد الموظفين، وقد تضمنت تلك الرسالة خطاباً للرئيس ولم يكن هذا الخطاب في حاجة إلى تصحيح، وقد اقترح موظف الإنابة أن يوقع وثيقة استلام إثباتاً لوصول الرسالة، لكنّ الحارس رفض ذلك قائلاً:

- لقد أُبلغت بتسليم الرسالة إلى السكرتير الصحافي شخصياً، ولن اغادر المكان قبل أن أسلّمه الرسالة.

وردّ عليه المناوب قائلاً:

- لقد تعودت الإنابة عنه عند غيابه.

لكنّ الحارس ظل مصمّماً على رأيه، ممّا اضطر علي عبدالله إلى العودة إلى المكتب في تلك الساعة المتأخرة من الليل ليستلم تلك الرسالة العادية جدّاً. ولذا كان لأمن الرئاسة الكلمة الأخيرة في كل شيء. والحال أن الارتجال كان سارياً حتى في داخل الأمن. فقد كانت «الواسطة» متفشية في هذا الجهاز وربما أكثر ممّا كانت متفشية في مكان آخر، لا سيما وأن معظم أعضاء هذا الجهاز ينتمون لعشيرة الرئيس، أي التكريتيين.

لقد ذكرت لكم كم كان من السهل عليّ أن أدخل قنبلة إلى الديوان، لكنّ ذلك لم يكن سهلاً عليّ أنا وحدي لأنني كنت معروفاً، فالخادمات كنّ هنّ أيضاً لا يخضعن للتفتيش - في النهاية - فقد كان الحراس، بعد قدومهن بأسبوع واحدٍ، يكتفون بالتأكد من هوياتهنّ من غير تفتيش. وحتى يخلص من الروتين أعدّ الأمن فترات من الاستنفار كل ثلاثة أشهر تقريباً، ففي هذه الأوقات كان يكثّف إجراءات التفتيش الصارمة، لكن ذلك لم يكن إلا مؤقتاً.

قبل وصوله على رأس البلاد بقليل، اتخذ صدّام إجراءات جد صارمة، فلم يعد لقاؤه بالجماهير أمراً وارداً على الإطلاق. فأثناء الحرب ضد إيران، ما بين عامي 1982 و1983، بدأ رجال حزب الدعوة ينظمون عملياتهم العسكرية الأولى، فبينما كان يكفي صدّام من قبل أن يغطي رأسه بكوفية، حتى لا يتعرف عليه أحد، فقد قرّر الرئيس في الأخير أن يصرف النظر عن الالتحام بالجمهور.

وقد عملت حرب الخليج العام 1991 والتهديدات الأميركية ضد شخصه على تعزيز «تحصّنه» الذي اتخذ أبعاداً لا يصدقها العقل، ففي منتصف التسعينات قدم إلى بغداد فريق من مجلة «نيوزويك» ليصوّر الرئيس لغلاف المجلة، لكن مصالح الأمن رفضت للفريق ذلك التصوير رفضاً قاطعاً:

- إننا نملك آلاف الصور تحت تصرفكم، اختاروا منها ما يناسبكم، ومصوركم لا يمكن أن يقترب من الرئيس.

الرجل غير المرئي

لقد كانت لمصالح الأمن بالتأكيد مبّرراتها في أن تكون حذرة متحرزة: ألم يعرض الأميركيون مكافأة مالية على كل من يلقي القبض على صدّام أو يقضي عليه؟

ناهيك عن أنّ مواقع عديدة مؤمنة وخفية كانت دوماً على استعداد لإيواء الرئيس للإقامة أو للاجتماع. ففي العام 1995 وبعد مواقف صهريه اللذين كانا في الوقت نفسه من حراسه، تغيرت المواقع الرئاسية لأنها كانت معروفة من قبل «الخونة» أو بالأحرى الخائنين، اللذين كشفا عن مكان هذه المواقع للأميركيين أثناء استجوابهما في احد البلدان.

وقد علمت شيئاً فشيئاً بالصدفة ان قاعة بالطابق الأول من بناية مجاورة لمكتبي قد أغلقت فجأة. وهكذا استخلصت أنني قد عملت لسنوات عديدة بجوار موقع رئاسي من حيث لا أدري، فلا شك أن مصالح الأمن قد هيأت مقرات رئاسية جديدة.

وقد صار صدّام، منذ أن أصبح مطارداً من الأميركيين، أكثر حركية ممّا كان دوماً. فكان كلما أوقف أقاربه والمقربون منه غيّر للتو مخابئه، فهو متعوّد على ذلك، لكن الأمر صار أصعب بعد أن صار صدّام وحيداً.

وعلى مرّ الأيام، صار الرئيس شيئاً فشيئاً رجلاً غير مرئي، ومع ذلك فقد حرص حتى النهاية على الالتقاء بالعراقيين، فالتقاليد تقضي بأن يظل التواصل مباشراً مع الشعب. فالرئيس يستقبل في مضيفه. وقد كان صدّام يقول بأن هذه اللقاءات لا غنى له عنها حتى يعرف ما يجول في أعماق عقول الناس ويطلع على حاجاتهم، فقد كان يعتبر نفسه كخليفة جديدة، فيتحدث عن التاريخ كثيراً، مركزاً على قرون أوروبا الغارقة في الظلمات، في الوقت الذي كانت فيه بغداد في أوج مجدها وعظمتها.

يومياً، ولغاية شهر يناير 2003، كان صدّام يستقبل ممثلين عن جميع شرائح المجتمع بمعدل ستين شخصاً كل يوم. كان اللقاء يبدأ في السادسة صباحاً وينتهي عند الثامنة. كان ضيوفه يدخلون إليه في جماعات من أربعة أشخاص فيتحاور كل واحد معه لبعض اللحظات، وعند خروج هذا الشخص كان يُسلَّم له ظرفاً به مبلغ من المال.

في بداية رئاسته، كان الناس يلتقون به بحرية ليطلبوا منه خدمة أو مساعدة، ثم بعد ذلك صارت طلبات الاستقبال تُرسل إلى مكتب خاص (مكتب المخابرات) لينظر في الملفات ويبت فيها. وهكذا صارت العملية أشبه باليانصيب: أنت تكتب و«إن شاء الله» يستقبلك الرئيس!

فضلاً عن أن مدة المقابلة قد قُلّصت أيضاً. وأخيراً، وخلال الشهور الستة الأخيرة، كان صدّام قد أشار إلى أن الذين كان لهم الشرف بلقائه من قبل لا يحق لهم في أن يقابلوه من جديد، فقد كان البعض بالفعل يلتمسون مقابلته للمرة الثالثة أو الرابعة.

لم تكن هذه المقابلات فرصة للتعبير عن الرأي حول النظام، فقد كان الضيوف يأتون طلباً لخدمة أو مساعدة، فقد جاء أحد الزملاء كان قد أقيل من منصبه في الثمانينات لمقابلة الرئيس ليطلب العودة إلى منصبه مقدّما يمين الولاء. وبعد أن أقرّ صدّام بأن الفصل كان تعسفاً في حقه أعادهُ إلى وظيفته.

وكانت بعض الشكاوى مرفوضة رفضاً باتاً، وهي الشكاوى المتعلقة بطلب السكن في بغداد، فقد نصّ القانون على أنّ مَنْ لم يكن يقيم في العاصمة منذ العام 1977 لا حقّ له في امتلاك بيت أو شقة فيها. وقد كان الكثير من العراقيين يأتون لصدّام تجاوزاً للمحظور، لكن صدّام كان عنيداً لا يثنيه عن قراره أي استعطاف:

- القانون هو القانون!

وخلال الشهرين الأخيرين، اللذين سبقا الحرب، لم يستقبل صدّام سوى العسكريين بمعدل مئتين كل يوم. وكان هذا اللقاء فرصة لرفع معنويات الفرق ولاستعراض إعداداتهم العسكرية. وقد بدأ بالقيادات العليا ثم انتقل تدريجياً إلى ضباط المحافظات، كان يعطيهم الكلمة ويسألهم عن أوضاع وحداتهم والمشكلات التي تواجههم، لكنّ أصحاب الرتب العليا كانوا يحبذون اللغة الرسمية، فكان أكثرهم جرأة لا يطلب من الرئيس أكثر من بضع سيارات «البيكاب» الإضافية، وقد كانوا يرددون:

- كل شيء على ما يرام.. والمعنويات عالية جداً.. ونحن على استعداد للمعركة!

كان قُصي، الابن الأكبر للرئيس، يحضر كل هذه الاجتماعات مع احتفاظه بالصمت الكامل. وقد سرت إشاعةٌ مفادها أنّ قُصي كان يُعاني من مشاكل في التعبير والنطق، أما عُدي فلم يكن يُسمح له بحضور هذه اللقاءات إلا في حال حضور ميليشياته إلى الرئيس مع قائدها فاتح الراوي، وهو قائد سابق لأركان الحرب. وقد وقع بعد ذلك في أسر الأميركيين، أما جيش القدس فلم يحظ بلقاء الرئيس لضيق الوقت.

هذه اللقاءات التي كانت تُبثّ على التلفزيون لم تكن تروق للعراقيين ولا تؤثر فيهم. فبينما كان صدّام يسأل أحد الضباط، كان هذا الأخير يجيبه بلهجة رسمية مفخّمة:

- إنّ جنودي يشعرون بالحزن لذهابهم في إجازات؛ لأنهم في ديارهم لا ينعمون بالطعام الذي يتناولونه في الثكنة، ففي فَيْلَقِي يأكل الجميع كل يوم اللحم والخضار والفواكه بينما في بيوتهم لا يشبعون!

آه لو يعلم الناس كم يجوع هؤلاء الجنود وهم لا يأكلون سوى القليل من الخبز والبصل! أكثر من ذلك أضاف هذا الضابط أن كل عسكري يحمل ملابس داخلية يوفرها له الجيش، والحقيقة أنّ الجنود العراقيين كانوا أشبه بالمتشردين!

وكثيراً تساءلت ما الذي يدعو صدّام لهذه الكوميدما، هل كان الرئيس في حاجة إلى مثل هذه المجالس الدنيئة حتى يصون عظمته؟ هل كان ينخدع بهذه الأكاذيب الفظة؟ لم يكن صدّام يجهل شيئاً ممّا كان يحدث في بلاده، كان يدرك أنّ محدّثيه كانوا يكذبون عليه وبأن الجيش كان يدبّر المؤامرات ضده. كان خليقاً به خارج تصوير الكاميرات أن يأمر زوّاره بقول الحقيقة.

لكنه لم يفعل ذلك قط، ولذلك لم يجرؤ أي ضابط على التعبير عن أي نقد.

يتبع

قصــ قـلــم ــة
06-03-2006, 15:33
شكرا لك وبنتظار الباقي

اقول يا شباب

انا ملاحظ ان الرئيس "الشرعي" صدام حسين

له شعبيه خياااليه

بالذات بعد ما دخل رااافضة ايران واستولو على الحكم هناك

عااااااااااااش القائد صدام وليخسئ كل ذليل يحارب هذا البطل

نازف
06-03-2006, 19:06
^
^

من جد وربي ان صدام أرحم من فيلق غدر والحكيم النصاب

تحياتي

أصلي مو تقليد
06-03-2006, 20:02
أفا يا عبودي

أنا مو داخل اليوم الاقلاع الا عشان أشوف الجديد هنـــــــــــا

يعطيك العافيه

ولا تطول علينا بانتظارك

جمهور عزازي
06-03-2006, 20:52
عبودي يخرب بيتك

وين رحت

تتغلى

اخلص علينا

حبر وقلم متحمس يقول وين تكملة الموضوع

شويــب الجــن
06-03-2006, 22:50
ياروحي ياحياتي ياصدام حبيب الملايين pb189

بجد أكن لهذا الرجل العظيم والشجاع أعظم إعجاب : )

بالإنتظار يالغالي عبودي bp039

وأتفق مع الغلا قصة قلم ;)

أجمل تحية ..!!

اللبوه
07-03-2006, 00:31
متابعين
جميل ان نرى سقوط الطغاة جميل

الــداعمــ
07-03-2006, 00:46
جميل
مذكرات أحد الأشخاص المقربين من صدام
.
.
.
موضوع يبين لنا مدى دكتاتوريه هذا الطاغيه

متابعين
مع عبودي 1 .. مش حتقدر تغمض عنيكpb071

تُــــراب
07-03-2006, 01:55
طاغيه ذهب إلى مزبلة التاريخ

عبودي 1
07-03-2006, 02:20
الاخوة الي يجرح في شخص صدام الرجاء ثم الرجاء ثم الرجاء هالموضوع مو مكان لاي تجريح او اساءة
هنا مكان كتاب عن سنوات صدام وفيه مواضيع اخرى للتجريح .
اتمنى من المشرف تعديل الردود مع جزيل الشكر .

سعد
07-03-2006, 02:33
^^^^^^^^^^^^^^^^

تكفى لاتتأخر علينا بالأجزاء الباقية


وأبشر بالمتابعة اللي تسر قلبك :)

عبودي 1
07-03-2006, 07:07
سنوات صدام ـ الحلقة الخامسة

عبد حمود.. ظل صدام، «أبو القلم» يشق طريقه إلى المرتبة الرابعة في قائمة المطلوبين

كان عبد حمود، رجل الرئاسة الذي كنت على تواصل معه في غالب الأحيان، شخصاً يلفُّه غموض كثيف، فقد كان مكتب الصحافة تابعاً له، وكذلك فريق المترجمين. وقد كانت المذكرات التي نحرّرها تمرّ عن طريقه، قبل أن تصل إلى الرئيس. كان قريب صدّام هذا، البالغ من العمر أربعين عاما، والتكريتي الأصل مثله، رجله التابع المخلص الأمين. وكان عبد حمود إذا طلبنا في الهاتف لا نعرف إن كان يتحدث باسمه أو باسم صدّام، فقد كانت الثقة بينهما كاملة مطلقة.

فقد عاشا معاً منذ ثلاثين عاماً. وكان الرئيس العراقي يُقدّر استقامته وكتمانه وحبّه للنظام. وكان عبد حمود يدعوه «سيدي» لما في هذه الكلمة في العربية من احترام وتوقير، وقد حرص على أن يحتفظ بعلاقات طيبة مع أعضاء الأسرة بما فيهم عُدَيْ.

وقد روى لي مازن الزهاوي، مترجم الرئيس السابق عن الإنجليزية، الذي كان يعرف الرجلين حق المعرقة، أسباب إخلاص عبد حمود لصدام وتفانيه. فذات يوم، وهو في الخامسة عشرة تقريباً، لمح الشاب عبد حمود صدام بزي بدويٍّ، وهو يقود قارباً في نهر دجلة ليس بعيداً عن تكريت، فاقترب الصبي من الضفة وقال لقريبه:

- سيدي نائب الرئيس.. إنني أرغب في خدمتك كحارس شخصي.

- عليك أوّلاً بإنهاء دراستك، بعد ذلك ستجدني بانتظارك.

وعمل عبد حمود بنصيحة صدّام، فالتحق بالمدرسة العسكرية في بغداد قبل أن يبدأ حياته المهنية بالرئاسة، كعضوٍ أوّلاً ثم كقائد لوحدة المرافقّين وسكرتير خاص للرئيس صدام.

وكان الشائع عنه أنه كان يحمل شهادة في العلوم السياسية حول الاستراتيجية الإسرائيلية إزاء العالم العربي، وأنه ناقش أطروحة دكتوراه خصّصها لتحرير جزيرة الفاو من قبل الجيوش العراقية أثناء الحرب على إيران. على أي حال تلك كانت الصورة الرسمية لمسار هذا الرجل، غير أنني أتساءل أمام جهله للّغات الاجنبية ورداءة لغته العربية، إن كان لهذا الإدعاء أساس من الصحة.

الرجل الثاني

كان عبد حمود، المتزوج من قريبة مهندسة، أباً لستة أطفال أعطى لذكورهم الأربعة أسماء الخلفاء الراشدين: عمر وعلي وعثمان وأبو بكر. وكان له إخوة كان أحدهم مديراً لفندق بابل، إحدى أكبر منشآت العاصمة العراقية في الجادرية ما بين ذراعي نهر دجلة.

وكان يمتلك شقة بالقصر الجمهوري وقصراً صغيراً على ضفتي النهر - استولى عليه أحد الأحزاب الكردية بعد سقوط النظام - يقع إلى جانب قصر هالة، الابنة الصغرى لصدام، ليس بعيداً عن قصور قُصي وعُدي الباذخة. وكان يعشق الديكورات البراقة اللماعة من كورنيشات مغربية وحنفيات الحمامات الذهبية وصفائح من المرمر.

لقد ظل هاوي رياضة الكاراتيه هذا في خدمة الرئاسة منذ أكثر من عشرين عاماً، وقد طوّر حقاً وظيفة السكرتير الشخصي لرئيس الدولة. وقبل تعيينه عام 1991 كان يشغل هذا المنصب حامد حمادي وزير الثقافة حتى تاريخ قيام الحرب، الذي كان يدير على الخصوص بريد صدّام وأجندته.

في الإجتماعات كان عبد حمود، على عكس سلفه، يقف دائماً خلف الرئيس وكأنه حارسه الرئيسي. كان يحمل مسدساً بشكل دائم حتى برفقة صدّام، وهو الامتياز الذي يتقاسمه مع قصي الذي كان يخفي مسدساً تحت سترته. وكثيراً ما كنت أقول لنفسي إنهما الوحيدان القادران على إبطال مفعول صدّام لفرط اقترابهما منه.

في داخل الديوان كانت العلاقات الشخصية مع الرئيس أهم من العلاقات التي يحكمها السلّم الإداري. فمن وجهة نظر إدارية، كان عبد حمود يحتل مرتبة أدنى من رتبة أحمد حسين، لكن عملياً كان يمثل، إن صحّ القول، الرقم الثاني في النظام، وهو وصف في غير موضعه طالما لم يكن ثمة رقم ثانٍ حقاً.

وقد كان هذا الوضع مصدراً لتنافس خفي ما بين الرجلين، لكنّ هذا التنافس لم يؤدّ قط إلى أي صراع مفتوح، لأنّ كلاً من الرجلين كان يدرك أن الرئيس لم يكن يحب التدخل في هذا النوع من الخلافات ما بين مرؤوسيه.

كان عبد حمود مفتاح الوصول إلى الرئيس. فقد كان الوزراء يهابونه وعلى شبه استعداد لإطاعة أوامره. فالفريق عبد، أو الجنرال عبد، طالما أن تلك كانت رتبته في الجيش، لم يكن يتردّد في مخالفتهم الرأي، فبمناسبة احدى الزيارات لأحد القصور الرئاسية التي دعاني إليها عام 1998، لم يتردّد في توجيه إنذار لوزير البترول، الفريق عامر رشيد، الذي كان يريد أن يحلّ محلّي في ترجمة محادثاتنا مع مفتشي نزع السلاح التابعين للأمم المتحدة، ولم يذهب عبد حمود إلى هناك إلا ليكون عين صدام على ما يجري من محادثات.

فصدام كان يعرف على هذا النحو أن المعلومات، كل المعلومات، ستعود إليه بشكل مباشر في فترة حاسمة من العلاقات ما بين العراق ومنظمة الأمم المتحدة. فقد كان الرئيس يحترس من رفاق الطريق الآخرين الذين لم يكن معظمهم من عشيرة التكريتيين.

وفي أثناء زيارة أحد القصور الرئاسية، قال عبد حمود لشارل ديولفر، أحد المستشارين الرئيسيين في نزع السلاح في الأمم المتحدة:

- انني بمثابة مستشار للأمن القومي لدى الرئيس العراقي.

وفي المروحية التي كان يقودها ما بين تكريت والموصل شبّه عبد نفسه ب(زيغنيو بريجنسكي) المستشار السابق للأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر، وقد أضاف قائلاً:

- إذا كان لديك ما تريد قوله يمكنك مناقشته معي.

كانت الرسالة واضحة: فقد كان الوسيط المباشر والوفي لصدّام. فشارل ديولفر، كما نعّرف، كان ينتمي لمصالح الاستخبارات الأميركية (سي. أي. إي)، لكنه رفض المساعدة التي عرضها عليه عبد حمود.

وعلى مدى الوقت الذي استغرقه تفتيش القصور الرئاسية، ظل الفريق عبد حمود يبدو واثقاً بنفسه. هل كانت الأسلحة المحظورة مطموسة الأثر إلى الحدّ الذي تعذّر معه العثور عليها؟ أم إنه كان ببساطة يعرف أن العراق لا يملك تلك الأسلحة؟ على أي حالٍ كانت القضية بالنسبة إليه قضية مفروغاً منها، بل وكان يمزح مع ديولفر - فقد كان رجلاً مزّاحاً - أثناء فترات الاستراحة.

- هل تعتقد حقاً أنكم ستعثرون على أسلحة محظورة بهذا الأسلوب، هل وجدتم أسلحة في القصور الأخرى؟

لكنّ ديولفر كان يكتفي بالقول:

- سوف نرى.

لم يكن الحوار بينهما يذهب بعيداً إلاّ عندما يتحدثان في الرياضة.

- إنني ألعب كرة المضرب! يقول عبد حمود متفاخراً، فيرد عليه ديولفر:

- أما أنا فإنني ألعب الكاراتيه.

- يا لها من فرصةٍ مناسبة؟ أنا مثلك لاعب كاراتيه جيد! هل تريد أن نبدأ المباراة في الحال؟

وبينما كانا يحلّقان في أجواء العراق على متن المروحية، وبينما كان ديولفر يمدح قدراته في القيادة أجاب حمود:

- ومع ذلك، فأنا لم أَقُدْ منذ العام 1990، لكن كنّ مطمئناً!

كان عبد حمود يهتم بكل شيء، بشؤون الرئيس الشخصية، وباستبدال أجهزة الكمبيوتر القديمة، فكثيراً ما كان صدّام يقول:

- راجعْ الأمر مع عبد حمود!

«أبو القلم»

كان عبد حمود يدوّن الأوامر التي يصدرها صدّام أثناء مقابلاته - منح التأشيرات، الهبات المالية... الخ. ومن هنا لقّب عبد ب«أبو القلم». وقد كان الرجلان يتحادثان بصراحة، فحين كنت أسمعهما وهما يتناقشان، كان حديثهما يجري هادئاً مرتخياً في معظم الأحيان، فكان من الواضح أنّ صدّام كان يهتم بآرائه.

كان عبد حمود يعمل أربع عشرة ساعة في اليوم على الأقل، فقد كان حجم بريده هائلاً. وفي المساء كثيراً ما كان يحمل معه حقيبة مليئة بالملفات ليشتغل عليها في البيت. كان شاربه الكثيف، الذي يقطع وجهه، يمنحه مظهراً من القساوة والعبوس. لم يكن يحتمل أي خطأ من الأخطاء، فقد كان يغضب أيّما غضب لمجرد رسالة لم توضع في مكانها الصحيح. كان شديد الانضباط وحريصاً على أن يحذو معاونوه هذا الحذو، ولم يكن يتردّد في أن يفصل في الحال الكسلاء أو من ليس لهم كفاءة في إدارة العمل.

وقد جعلته خبرته الماضية، كحارس سابق، مرهف الحسّ لأي خطر، فقد كان على أهبة الإستعداد لأن يموت من أجل رئيسه. يذكّرني هذا بالزيارة التي قام بها لبغداد حسن غوليد رئيس جيبوتي عام 1988، فعند وصوله دعاه صدّام للقيام بجولة في العاصمة. وقد ركب صدّام وضيفه السيارة على الرغم من البروتوكول الذي لم يكن يتوقع تلك المبادرة الرئاسية.

كنت أجلس في المقعد الخلفي لمرسيدس صدّام إلى جانب عبد حمود، وما إن خرجنا من المسار المؤمَّن حتى أخرج مسدسه من حزامه، وظل إصبعه على الزناد، متوارياً وراء زجاج السيارة الملوّن أثناء تجوالنا في حي الكرادة. في تلك الفترة كان صدّام يسعه أن يتجول في العاصمة، ولكنه لم يكن ليجرؤ على مثل تلك الجولة بعد الحرب على الكويت.

كان عبد حمود يدعوني بـ «الدكتور سمان»، وظني أنه كان يقدّرني أحسن التقدير. فقد كنت ألجأ إليه أحياناً لكي ألتمس مساعدته في تحسين أوضاعي المهنية اليومية، فهو الذي قبل بأن أعمل بنصف دوام على مدى ثلاثة أعوام ما بين 1994 و1997، حتى يتسنى لي متابعة الدراسة، فقد استأنفت دروسي سعياً لإنهاء الدكتوراه في علم اللغة والترجمة.

كنت أحدث نفسي بأن عملي في الرئاسة قد لا يدوم إلى ما لا نهاية، ولذلك فمن الأفضل لي أن أُؤمِّن خلفياتي تحسباً للمستقبل، وقد كانت وظيفته كسكرتير شخصي للرئيس تسمح له بأن يعالج أكثر الأوضاع إرباكاً وتعقيداً. وفي يوم امتحاني الأخير تلقيت في حدود الساعة الثامنة صباحاً.

وفي اللحظة التي كنت أتأهب لمغادرة البيت مكالمة من الرئاسة، فقد كان الرئيس في حاجة إلى مترجم. ومن حسن الحظ أنه كان مستعجلاً في ذلك اليوم، فلم يدم الانتظار قبل المقابلة طويلاً حيث انتهى كل شيء في حدود العاشرة والنصف، وما لبثت أن عدت للتو إلى عبد حمود وشرحت له الوضعية. قلت له:

- لا يزال أمامي الوقت لاجراء الامتحان، لكن مبدئياً لا يُسمح بالتأخر عن الموعد، فردّ عليّ قائلاً:

- لا تحمل همّاً، سنحلّ هذه المشكلة.

واتصل أحد معاونينا بمركز الامتحانات لكي يخبر المسؤولين بأن غيابي كان بطلب من الرئيس شخصياً، وعند وصولي إلى الجامعة وجدتهم في انتظاري عند باب القاعة، وقد أمكنني أن أنهي الامتحان في حينه.

رابع المطلوبين

تُرى من كان يعرف عبد حمود في الخارج؟ فعلياً لا أحد كان يعرفه على الإطلاق، ومع ذلك فالأميركيون لم يخطئوا التقدير حول سعة سلطته وحجمها، فقد وضعوه في الرتبة الرابعة على قائمة الشخصيات الخمسة والخمسين المطلوبين على الخصوص بعد سقوط النظام، فقد كان عبد حمود ينسّق بالفعل مع قصيّ شؤون الأمن الخاص بصدام، فهما وحدهما اللذان كانا يعرفان على الدّوام كيف وأين يتصلان به.

لقد ألقي عليه القبض في السابع عشر من يونيو 2003 بالقرب من تكريت، غير أنني أشك في أن يكون قد أذاع أسراراً مهمة. فعلى عكس ما كان ينتظره الأميركيون فلم يتح لهم القبض عليه القبض على صدّام، فقد كان يعرف أسرار النظام قبل الحرب وبعض مخابئ الرئيس الهارب، ولكنّ وفاءه لعشيرته حال دون إفشائه لأي سرّ.

كان باقي رجال الرئاسة الرئيسيون يعملون إمّا في الظل وإمّا بعيداً عن عبد حمود، فقد كان أحمد حسين، الذي كان رئيساً للديوان منذ منتصف التسعينات، تحت إمرة الفريق، وكان صدّام يثمّن مواصفاته في التسيير، فقد كان لفترة طويلة وزيره للمالية.

أما نحن الموظفون، فقد كان تقديرنا له أقل من ذلك بكثير، إذ كان أحمد حسين الآتي من بلدة قرب تكريت، رجلاً وسيماً معروفاً بصرامته وبتقشفه المالي، فقد كان يُدير الديوان كما يُدير عطارٌ حريص على مصالحه دكانه، وكثيراً ما كان يُعطل الطلبات من أجل تحسين سير هذا المكتب أو ذاك من المكاتب. وأكثر من ذلك، فحتى الزيادات في الأجور، على الرغم من اعتماد الرئيس لها، كانت تظل على مكتبه لأسابيع كاملة قبل دخولها حيّز التطبيق.

مثال آخر: كانت سيارات مصلحتنا قديمة، لكن أحمد حسين كان يعترض مبدئياً على احلال سيارات جديدة محلها. كنا مع ذلك نعرف أن الرئاسة تمتلك مرآباً كبيراً مليئاً بالسيارات الجديدة التي دخلت العراق عن طريق التهريب. ففي قرار الأمم المتحدة المسمى ب»النفط مقابل الغذاء« لا شيء كان مرصوداً لمصالح صدّام، فهذه المصالح لم يكن حق لها الاستفادة من أي إيراد من مبيعات النفط العراقي لشراء تجهيزاتها.

كانت الاستثمارات تذهب أولاً لوزارات الصحة والنقل والتربية، لكنّ صدّام كان يتدبّر أمره في الاحتيال على المحظورات، فغرف من مخزونات بيجو 406 وتويوتا والبيكاب المخصصة لوزارة التجارة. فنحن لدينا اذن ألوف السيارات الجديدة القابعة في الكاراجات، لكن أحمد حسين يرفض السماح لنا باستعمالها. فقبل الحرب كلّ هذه السيارات نقلت إلى مطار المثنى القديم في بغداد، ليس بعيداً عن المخابئ الأرضية التي أخفيت فيها بعض طائرات الجيش، وقد تعرضت هذه الطائرات للقصف واستحالت السيارات الجديدة إلى رماد.

في الديوان كانت بعض النساء يرتدين ملابس على الطريقة الأوروبية. وقد طالب أحمد حسين بأن تقوم لجنة خاصة بتحديد الطول المسموح به للفساتين، فقيل له إنّ الأمر مستحيل، إذ لم يكن يُعقل أن يقيس أحدهم بالمسطرة كل صباح فساتين الموظفات في الديوان! فتراجع أحمد حسين عن فكرته، لكنه على الرغم من ذلك نشر مذكرة تدعو النساء إلى «ارتداء ملابس محتشمة». فلم يكن يرغب في إغاظة الرئيس في أي شيء من الأشياء ولا أن يثير أي ردّ فعل من قبله، فقد كان شديد الحذر.

كان أحمد حسين يسكن في مجمع الوزراء بالقرب من حي المنصور، وهو مجمع مسوَّر يضم نحو مئة من البيوت الفاخرة للمسؤولين الكبار في العراق. وقد انتقل هذا المكان إلى ايدي أحد الأحزاب الكردية منذ سقوط بغداد. كان أحمد حسين رجلاً نظيف اليد، ولم يتعرض للأسر من قبل الأميركيين.

رجال الرئاسة الأقوياء

كان روكان الرزوقي رجلاً آخر من رجال الرئاسة الأقوياء، وكان يُدير بكثير من الرصانة والسرية مكتب العشائر الذي أنشأه صدام، الذي حرص على أن يكون قريباً من العشائر بعد هزيمة العام 1991. كان هذا المسؤول السابق عن وحدة المحاربين، وهم الحرس المقرب من الرئيس، يُنظّم لقاءات مستمرة مع رؤساء العشائر، وقد كان تعاونهم ضروريّاً للحفاظ على الأمن في البلاد.

وكان روكان يُدير القضايا الحسّاسة التي يطرحها هؤلاء الشيوخ من ذوي الشهامة. وفي العراق الكثير من هؤلاء الشيوخ لكن لا تشهد أيّ وثيقة على صفتهم. لذلك كان لا بد من التدقيق في ملفات كل واحد منهم أو السهر على أن تكون كل مقابلة متلفزة لرئيس من رؤساء العشائر متبوعة في اليوم التالي بمقابلة أخرى.

وكانت تلك فرصةً أيضاً لمكافأة أكثرهم وداعةً، ممّن يقبلون طواعية لعبة تقاسم السلطة مع نظامٍ كان في أمس الحاجة لاستعادة أنفاسه، فقد كان روكان نفسه سليل عشيرة صدام، لكن فرعه، وهو فرع الغفور، كان من فرع صهريه حسين وصدّام كامل. أما أخوه، وهو نقيب في الجيش، فقد قُتل في المواجهة التي جرت وفقاً للعادة البدوية بين الخائنين وبين عشيرتهم الأصلية.

وبعد إصابته الدماغية التي عالجها في باريس، لم يتماثل روكان للشفاء تماثلاً كاملاً. وقد لجأ أثناء الحرب إلى الرّمادي، على بعد مسافة مئة كيلومتر شمالي بغداد عند صديق قوي وهو رجل أعمال من كوكبة صدّام، وكان ينزل بفندق «ريتر» في باريس حين كان يذهب إليها لإبرام العقود، ويقال إنه مات تحت القصف. وقد كانت نهايته صورة للمصير المأساوي الذي لقيه البعض من المقربين من صدّام.


يتبع

سـاهـي
07-03-2006, 11:52
قرأت أربع حلقات حتى الان
الحلقات الاولى يتكلم سامان الكردي
عن نفسه كثير وعن مراحل حياته
ومن الواضح بأنه غير مقرب جدا لصدام
حيث ذكر بأنه لم يدخل مكتبه الا مرة واحده
معلومات أقل مما يوحيه عنوان الكتاب حتى الان
ولانزال متابعين ... يعطيك العافية عبودي

S a A a A a H i

الف مليون
07-03-2006, 12:51
عساكـ على القــوه

ومتابعيــن رحلـــة قائــد :)

القبطان سلفر
07-03-2006, 13:25
حبيبي عبودي

بنتظارك يا نجم

د/الفهد
07-03-2006, 14:50
اكمل

القبطان سلفر
07-03-2006, 21:04
عبودي وينك يااخي

تارك العيال وجاي للبيت

يقالي ابكمل موضوعك

اخلص علينا يا بطل

عبودي 1
07-03-2006, 21:42
سنوات صدام ـ الحلقة السادسة

بدأ الكتابة بدافع الملل، صدام يراجع مسودات روايته الأخيرة تحت القصف

في مارس 2003 كانت الحرب في بداياتها الأولى. كانت بغداد غارقةً تحت القنابل. هل كان صدام يعد مخططات لهجوم مضاد مع جنرالاته؟ أم أنه كان ينظم دفاعات العاصمة مع ابنه قصي؟ في هذه الساعات المأساوية أرسل صدام مبعوثاً إلى المكتب الصحافي ليطلب مسودات روايته الأخيرة! كنت أعرف منذ زمن طويل أنه كان يؤلف كتباً، لأنني كنت مكلفاً بترجمتها إلى الإنجليزية وبإعادة قراءتها. لكنني لم أكن أتصور يوماً أنه سيعهد إلي بمثل هذا العمل في مثل هذه الظروف الحاسمة. ولا أخفي أنني حتى النهاية لم أفهم شيئاً من شخصية الرئيس العراقي.

كان «عمله» الأخير، الذي ظل في شكله المخطوط، يحمل عنوان: «اخرجوا أيها الشياطين!». عنوان لا شك غريب يبرره صدام في إحدى المقدمات. قديماً كانت الأسرة في القرى العراقية إذا أصاب أحد أفرادها مرض استدعت معالج القرية لاستئصال المرض.. فيقوم هذا الرجل بربط ذلك المريض بالسرير ثم يشرع في ضربه وهو يصرخ:

أخرجوا أيها الشياطين!

الرواية الأخيرة

كانت الرواية بالفعل شحنة شرسة ضد اليهود.. «الشياطين» كما يصفهم صدام، لقد تخيل قصةً تجري أحداثها في العراق في عهد نبي الله إبراهيم، وهي تصور أحد الأجداد ويدعى إبراهيم وأحفاده الثلاثة، زكريا وعيسى ويوسف، الذين يرمزون لرسل الديانات السماوية الثلاث موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام. فقد كان صدام يريد أن يقدم ترجمته الشخصية عن ميلاد البشرية.

فزكريا الذي يحمل اسماً تقليدياً يمثل الشر بعينه، وقد ألبسه صدام بشكل كاريكاتوري ساخر كل العيوب والنقائص والآفات. فهذا الشخص، الذي كان لا يطاق منذ طفولته، كان متسماً ببخله الذي كان يسري في دمه، وكان يعشق تدبير المؤامرات. أما أخواه عيسى ويوسف فقد كانا، على العكس منه، كريمين، صادقين وشجاعين.

في بداية الرواية يدعي زكريا أمام جده إبراهيم أن المال هو أهم وأثمن شيء في الحياة:

- الأفضل أن تستثمر رأسمالك من أن تتعب نفسك في العمل والكد!

صدم هذا الكلام إبراهيم، مثال الفضيلة، وبالمثل أثار غضب حفيديه الآخرين، فرد أحدهما على زكريا قائلاً:

- لا! إن الأهم في الوجود هو الشرف والكرامة والأخلاق.

وأخيراً، وبعد العديد من التطورات الطارئة، طرد إبراهيم زكريا من البيت العائلي وأقصاه من القبيلة. لكن قبل أن يغادر أعطاه إبراهيم حصته من الإرث. ومنذ ذلك الوقت صار زكريا مرابياً، وهكذا عاش من المال الذي كان يقرضه. وشيئاً فشيئاً صار غنياً، وانطلق في تجارة الأسلحة.

ولم يعرف تعطشه للسلطة وللمال حداً من الحدود، فصار، بمكيافيليته، يستأجر الشباب لكي يحرض القبائل بعضها على البعض الآخر، فيبيعون لها السيوف والدروع. وهكذا صارت القبائل تتقاتل فيما بينها، وصار زكريا يكسب، ويراكم ويدخر الأرباح فوق الأرباح.

في منتصف الرواية يدس صدام قصة عاطفية، حيث يقع زكريا، وبكثير من الوله، في حب فتاة موعودة لأحد أقاربه، فيحاول بشتى الوسائل أن يغزو قلبها. ويذهب في ذلك إلى حد محاولة اختطافها، لكن الجميلة تتمكن في الأخير من الإفلات من أنيابه الشرسة.

وفي الأخير تنجو الأخلاق وينتصر الخير، ويسقط القناع عن زكريا، الذي يقتله رجال مستقيمون، بعد معركة حاسمة تجري أحداثها في سهول بلاد ما بين النهرين. وبذلك يخلص صدام، بعد هذه الأحداث الفوضوية، إلى أن العراق قد شهد فترة طويلة من الازدهار والنمو، لأن الشياطين قد هزموا شر هزيمة.

ترى من أين جاءته كراهيته لليهود؟ إن صدام - كما ذكرت سلفاً - كان يولي أهمية خاصة للقضية الفلسطينية، التي كان يصفها في الدعاية الرسمية بالقضية المركزية. ومع ذلك، فقد كان الجميع يحرص في الخطابات العراقية الرسمية، مثلما هو الشأن في خطابات الدول العربية الأخرى، على التمييز بين «اليهودية» وبين «الصهيونية»، وبين «يهودي» و «إسرائيلي». ففي القرآن الكريم يمثل اليهود، على غرار المسيحيين تماماً، جزءاً من أهل الكتاب.

والحال أن صدام في حدود العام 1999 قد اخترق هذه القاعدة عن قصد وسبق إصرار. ففي إحدى خطبه هاجم اليهود هجوماً مباشراً بصفتهم يهوداً: «... وأقول اليهود لأن اليهود أشرار.. ولا أقول الصهيونية فقط بصفتها حركة سياسية». هذه الأقوال لم تأت على أي حال من ارتجالات المنابر أو زلةً من زلات اللسان، فقد كان صدام يريد أن يصدم لكي يتحدى إسرائيل ويستفزها. لقد أراد أن يقول بهذه الكيفية: «لست أخاف من أحد وأنا أقول ما أفكر به!».

لكن لنعد لروايات صدام. لقد كتب صدام مخطوطته الأولى في منتصف التسعينات. كان يرسل النص إلى مكتب الصحافة لطباعته بمعدل خمسين إلى ثمانين صفحة مكتوبة في كل مرة. كان خطه أنيقاً، وكانت طريقة نسخه تقوم على الخطوط الطويلة. كان السكرتير الصحافي علي عبدالله يصحح الأخطاء الإملائية والنحوية، وكان صدام يطلب منه أيضاً التحقق من المراجع التاريخية ومن التواريخ أيضاً.

كثيراً ما كنت أسائل نفسي كيف كان صدام ينظم أموره، فقد كان ينهك نفسه في العمل، ولم يكن ينام إلا قليلاً. وفي الأشهر التي سبقت الحرب، وفي الوقت الذي كنا نتصور أنه غارق في قضايا الدولة، كان لا ينقطع عن إرسال عشرات الصفحات المكتوبة بخط يده لطباعتها وتصحيحها، وقد كنا نعيدها إليه في بضع ساعات، وكانت تعود إلينا في اليوم نفسه مصححة مدققة. وأكثر من ذلك، فقد كان يحدث أن يشتغل على العديد من النصوص في الوقت نفسه.

في البداية، كنت أظن أن صدام كان يسعى لأن يجلب لنفسه مجداً آخر غير المجد السياسي، مجداً أدبياً. فلعله كان يريد أيضاً الهروب من ضغوط حياة السلطة اليومية وأن يترك بصمةً مكتوبة في التاريخ، وحين ترجمت رواياته أدركت أن صدام كان يعبر فيها عن ذاته تعبيراً كاملاً. كان يتناول الكثير من الأفكار ومن الموضوعات، ففي الظاهر لم يكن يقتنع بخطبه وبظهوره المتكرر في التلفزيون، فقد كان في حاجة لأن يتواصل بوسيلة أخرى أيضاً.

دروس في التاريخ

كانت الكتابة بالنسبة إليه فرصةً أيضاً لإعطاء العراقيين دروساً في التاريخ. ففي روايته «القلعة الحصينة»، وهو كتابه الثاني، تأتي البداية أشبه بدليل سياحي حقيقي. فقد جمع وثائق كثيرة حول المدن التي تنتصب على سهول نهر دجلة، وقد طلب فيما بعد من علي عبدالله استشارة المؤرخين وعلماء الآثار لإثراء هذه المخطوطة.

تجري الحبكة بعد الحرب الإيرانية ـ العراقية مباشرة. وبطل القصة ويدعى «صباح»، وهو ضابط في الجيش العراقي، يقع في أسر الإيرانيين. وبعد أن يهدأ الصراع ينتسب «صباح» إلى كلية الحقوق بجامعة بغداد، وهناك يلتقي بالبطلة «شاترين» وهي فتاة كردية.

في تلك الأثناء، كان على الطلبة أن يتلقوا تدريباً عسكرياً في الجيش. وفي الرواية يجري هذا التدريب في الموصل، المدينة الكبرى الواقعة شمال العراق. يذهب «صباح» بسيارته إلى التدريب ترافقه «شاترين» وأخوها محمود، وطالبة أخرى تدعى عايدة، وعلى الطريق من بغداد إلى الموصل، تصبح كل مدينة يمرون بها موضوعاً لوصف دقيق.

وحين يصل إلى تكريت، مسقط رأس صدام، ينطلق الراوي في استطراد طويل على مدى خمس صفحات أو ست، فيروي أن المدينة كانت في البداية مسيحية قبل أن يفتحها المسلمون، ويذكر قصة القس «سطيح»، الذي بدلاً من أن يسلم ويعلن اسلامه، فضل أن يرمي نفسه من على حصانه في بحر دجلة من على جرف صخري.

ونكتشف في الرواية أيضاً أن تكريت هي المدينة التي ولد فيها قائد الحرب الشهير الكردي الأصل صلاح الدين، الذي صد الصليبيين خارج حدود القدس عام ألف ومئة وسبعة وثمانين ميلادي. وقد كان صلاح الدين بطلاً عند صدام وعند المسلمين كافة أيضاً.

وكان صدام يتناول في كثير من الأحيان موضوعات تهمه كثيراً، كموضوع ربط الحاضر بالماضي والاستفادة منه لبناء المستقبل. فقد كان يكتب هذه المقاطع على انفراد ويطلب من علي عبدالله أن يدرجها في المكان الذي يختاره هو بعد أن يعيد صياغتها في شكل حوارات. وقد كان هذا الاستطراد يأتي طويلاً أحياناً إلى الحد الذي يستدعي تقسيمه إلى أجزاء كثيرة وتوزيعه على شخصيتين أو ثلاث.

كان هؤلاء الأشخاص يحاورون أنفسهم على مدى أربع أو خمس صفحات، وفي أسلوب ثقيل وغامض في كثير من الأحيان. لم تكن عربية صدام رديئةً ولكنه كان يكتب على عجل. فقد كان يضع أفكاره على الورق بلا ترتيب على نحو ما تتبادر إلى ذهنه. وحتى حين كان يعرض أفكاراً بسيطة كان يصيغها بأسلوب معقد وجمل حافلة بالأسماء الموصولة والضمائر الشخصية والنعوت من كل نوع.

وكان يتوه في التلميح والتعريض وفي التفاصيل التي لا قيمة لها. ولذلك فقد كنت أجد صعوبة في ترجمتها إلى الإنجليزية، لأنني كنت مضطراً إلى تقطيعها إلى جمل لا نهاية لها. وكان القارئ لا يلبث بعد قراءة بضع صفحات أن يدرك أن صدام لم يكن كاتباً جيداً، فليس كل كاتب شبيهاً بنجيب محفوظ.

حديقة صدام السرية

لكن هذه الروايات كانت حديقة صدام السرية. فبواسطتها كان ينقل أفكاره إلى العراقيين حول كل الموضوعات وليس فقط السياسية منها. كان مثلاً يقدم نصائح للنجاح في الحياة الزوجية: «على الرجل أن يحترم زوجته وأن يفي بحاجاتها! وعلى المرأة من ناحيتها أن تكون مطيعة لسلطة زوجها، لأنه صاحب الكلمة الأخيرة ولأنه رب أسرة ومسؤول عن هذه الأسرة».

وكان يناشد الآباء أيضاً العمل على تقوية شخصية أطفالهم بواسطة بعض الألعاب. ففي «زبيدة والملك»، روايته الأولى، يطرح صدام تأملاته حول السلطة ونمط الحكومة، فهو يقدر أن القادة يجب أن يكونوا قريبين من الشعب. ومن خلال «زبيدة»، وهي فتاة فقيرة، يستطيع الملك المعزول عن الحقائق ان يعيد بناء الصلات مع الرعية. ومع ذلك لا يمكننا القول إن صدام كان يطبق هذه المبادئ في الواقع بل كان في غالب الأحيان يعكس تلك المبادئ.

كانت أعمال صدام «تباع» رسمياً في العراق، لكنها كانت على وجه الخصوص، توزع على أعضاء حزب البعث، وعلى أعضاء الحكومة والموظفين في الدولة. لم يكن صدام يوقع هذه الأعمال إلا بكلمة «المؤلف»، لكن جميع الناس كانوا يعرفون صاحب تلك الأعمال. وقد كان السر معلوماً من قبل الكافة، فقد كانت عباراته المفضلة المعروفة عند كل العراقيين هي التي تكشف أمره، وقد كان الناس يكتشفون بسهولة جمله «المقدسة» عنده.

بالطبع كانت الصحافة العراقية تمدحه وتتملقه. فقد وصفه ناقد أدبي مشهور ب«الكاتب العبقري»، وبـ «مؤلف هذا الكتاب الجدير بالاحترام»، وهي العبارة التي لم يستعملها مع أي كاتب آخر قط. فقد أضاف هذا الناقد: «بتواضعه الجم وموهبته الهائلة رفض المؤلف الكشف عن اسمه!».

وقد امتزج تعاظم صدام اذن ببعض التكتم والسرية. فأثناء ترجمة «زبيدة والملك» اتصل بي هاتفياً أحد المترجمين، وهو سلمان الواسطي، وكان عارفاً بالشعر، ليخبرني أنه كان ينوي أن يوجه رسالة للرئيس حتى يقترح عليه تعديلات أدبية وأسلوبية تشجيعاً له على توقيع الرواية باسمه.. وقد تكون الحروف الأولى من اسمه «ص. ح.» كافية لهذا الغرض.

وقد نقل السكرتير الصحافي هذا الاقتراح إلى الرئيس، لكن هذا المترجم لم يتلق أي رد على الإطلاق. كان صدام قد بدأ في الكتابة بدافع الضجر والسأم. فعند الكتاب العراقيين تعني كلمة «رواية» «الملحمة الحربية» وتعني «القصة العاطفية» ونادراً ما تعني الاثنتين معاً ولا تعني شيئاً آخر غيرهما. لكن صدام ما لبث بعد حرب الخليج الثانية أن تحول على التلفزيون إلى ناقد أدبي، مناشداً المؤلفين دمج الأنواع الأدبية فيما بينها.

- عندما تكتبون رواية لا تكتفوا فقط بذكر الأحداث العسكرية، بل حاولوا أن تدرجوا قصةً عاطفية ما بين رجل وامرأة على خلفية من الحرب، ما بين ضابط وممرضة مثلاً!

في 1992 استدعى صدام ثلاثة كتاب مشهورين إلى القصر. كان يريد تكليفهم بكتابة مذكرات غزو الكويت. كان عليهم أن يرووا قصة «أم المعارك»، ولكن ليس بكيفية جافة أو بطريقة عملية فقط. فقد كان صدام يريد قصة حية تروي قصة جنود الفرق والضباط العراقيين:

- لا تكتبوا أن القصف الأميركي قد بدأ في ساعة كذا وأن الرئيس أو ذاك الفريق قد أعطى الأمر بفعل هذا الشيء أو ذاك، بل اكتبوا «عند الفجر استيقظ قائد الوحدة في ساعة مبكرة، فقد كان عليه أن يلتحق بخط المواجهة، وبينما كان يحلق ذقنه، إذا به يسمع دوي عمليات القصف الأميركية الأولى...».

على مدى شهور عديدة، ظل المؤلفون الثلاثة يتحاورون طويلاً مع العساكر الذين شاركوا في غزو الكويت، إلى أن صدر كتاب سميك تحت عنوان «مسيرة أم المعارك». وقد أعاد صدام شخصياً قراءة النصوص وسجل ملاحظاته عليها، مضيفاً إليها على الخصوص هذا المقطع: «في الساعة الخامسة صباحاً من ذلك اليوم الثاني من شهر أغسطس 1990، نظر الرئيس في ساعته ثم التفت إلى مساعده في المعسكر قائلاً: «لقد دخل رفاقك الآن!»، فرد عليه هذا الأخير غير مصدق: «دخلوا إلى أين يا سيدي!؟» فرد عليه الرئيس بلا تردد: «إلى الكويت!»

مكتبة الرئيس

في المكتب الصحافي، كانت إحدى مهماتنا تتمثل في شراء كتب مخصصة لمكتبة صدام. فقد كان يشترط جلب نسختين أو ثلاث من كل عنوان، وكنا نشتري ما لا يقل عن مئتين إلى ثلاثمئة كتاب كل سنة، وكانت القوائم التي يرسلها إلينا جد متنوعة. كان يميل إلى كتب التاريخ وكتب الدين، وكان يحب مذكرات الشخصيات التاريخية، كمذكرات الجنرال الأميركي «نورمان شوارزكوف» حول حرب الخليج.

وكان مفتوناً ب«ستالين» و«نلسون مانديلا» والجنرال «ديغول» الذي كان يرى فيه الرجل الوطني الذي يملك الشجاعة في مواجهة الهيمنة الأميركية في العالم، وكان صدام يطلب منا كتاب «المسرح العالمي» ل»بريجنستاي» الخبير السابق في قضايا الأمن في البيت الأبيض، والذي كان يتناول القضايا الجيوسياسية.

وكان آخر كتاب طلبه منا كتاباً لـ «هوشي منه» حول الفييتكونع وتقنيات حرب العصابات داخل المدن - فلعله كان يريد الاستفادة من هذه التقنيات قبل المواجهة مع الأميركيين، وقد تمكنا في الأخير من العثور على هذا الكتاب بعد جهد جهيد. وكان يطلب منا أحياناً مؤلفات نفدت نسخها أو قديمة جداً فلم نكن نجد بداً من البحث عنها في المكتبات وعند بائعي الكتب القديمة.

لم ولن أعرف على الإطلاق إن كان ولع صدام بالأدب وبالشعر ولعاً حقيقياً أم مجرد تصنع ومخادعة. فعلى غرار الخلفاء العباسيين، كان صدام يسعى لأن يكون حامي الفنون،ففي 1998 طلب من أحد الشعراء وكان يعمل في المكتب الصحافي، أن يحضر إلى القصر مرتين أو ثلاثاً كل أسبوع ليلَقنه قواعد كتابة الشعر والعروض والقوافي،وكان كثيراً ما يسرب إلى رواياته أبياتاً شعرية من قريحته. ففي قلب خطابه المتلفز في بداية الحرب في مارس 2003 أدرج بعضاً من أشعاره:

أشهروا سيوفكم بلا خوف

ستشهد عليكم النجوم

أوقدوا ناركم ودعوا اللهيب يشتعل

لترهبوا عدوكم الذي يريد أن يجعل

منا عبيده!

وكان على علي عبدالله أن يتحقق من جديد من أن الرئيس لم يرتكب أخطاء نحوية أو لغوية!

ثقافة.. بالعافية

كان صدام يتصرف كنصير للآداب، فيدلل الشعراء ويغدق عليهم العطاء. وكان كلما نشرت الصحف نشيداً وطنياً أعطى صاحبه مبلغاً يتراوح ما بين 000,200إلى مليون دينار (من 100 إلى 500 دولار)، وهو مبلغ مهم إذا ما قورن بمرتب الموظف الذي لا يجاوز خمسة دولارات شهرية فبقصيدتين شعريتين في كل شهر يستطيع الشاعر أن يأخذ أكثر مما يأخذ وزير!

وكان صدام قد أنشأ نظاماً لمكافأة الشعراء داخل وزارة الثقافة. ففي كل خميس كانت تجتمع لجنة خاصة لانتقاء الأعمال الشعرية. لم يكن يشترط في هذه الأعمال أن تكون أصيلة بل كان يجب أن تخضع لقوانين الشعر العربي وأن تمدح الثورة والرئيس. وكان الشعراء يوزعون إلى فئات عديدة. وكانت نخبة هؤلاء تنتمي إلى طبقة شعراء أم المعارك (أي شعراء حرب الخليج لعام 1991)، وإلى شعراء القادسية (أي شعراء الحرب الإيرانية - العراقية).

وكانت تتفرع عن نخبة القافية هذه ثلاث فئات أخرى بمكافآت مصنفة على التوالي بـ 000,100 دينار (50 دولاراً) و 000,50 دينار (25 دولاراً) و 000,25 دينار (5,12 دولاراً). وكانت الإكرامية تسري أيضاً على برامج التلفزيون، فإن راق لصدام حصة من حصصه، منح مبلغاً قد يصل إلى مليوني دينار (1000 دولار) لمنشط حوار سياسي أو ثقافي مثلاً.

وقد صار صدام في الفترة الأخيرة أكثر سخاءً تجاه الفنانين، فمنذ العام 2000، وحتى يحسن أوضاعهم ويعوضهم عن ارتفاع الأسعار، أصدر أمره لوزارة الثقافة بإعداد قائمة بكل الفنانين العراقيين. وقد صنفوا إلى ثلاث فئات، وصاروا يتلقون علاوة تحدد تبعاً لأعمارهم (من 000,50 إلى 000,150 دينار شهرياً، أي ما يعادل من 25 إلى 75 دولاراً)، وقد كانت المجموعة الأولى تضم فئة من أطلق عليهم اسم «الرواد» أي القدماء من الفنانين، وكانت أسر المفقودين منهم تتقاضى الإكرامية عنهم.

كان فنانو «الدولة»، أي واجهة النظام البعثي، يتلقون أفضل المكافآت، بل وأكثر من ذلك، كان هذا النظام يشجعهم على السفر إلى الخارج للمشاركة في المعارض والمهرجانات والحفلات الساهرة. ففي عهد صدام كان على الثقافة المدعومة بقوة أن تنمو وتتطور في إطار غاية في الصرامة، على غرار ما كانت عليه الثقافة في عهد ستالين أو موسوليني.

لم يكن من الضروري أن يكون المثقف مسجلاً في حزب البعث حتى يستفيد من تشجيعات الدولة، لكن أي فنان منشق أو مرتبط بالمعارضة من قريب أو بعيد مصيره الإقصاء من هذه القائمة. أما الفنانون «المخربون» أو المهمشون فقد كان ينظر إليهم كفنانين «سيئين»، لأنهم لا يساهمون في بناء المجتمع من أجل رخاء الشعب.

وإن هم احجموا عن مهاجمة الرئيس أو النظام بشكل مباشر، فلا أحد يتعرض لهم بالسجن أو التعذيب، بل كانت مصالح الأمن تكتفي بتجاهلهم، تاركة إياهم أحراراً يمارسون فنهم دون أي مضايقة أو إزعاج.


يتبع

pink sea
07-03-2006, 22:55
عبودي1 يعطيك العافيه


بس حبيت اسأللك هذي هي نفسها الي كانت تنزلها جريدة الشرق الاوسط اجزاء اسبوعيه على مأظن

مشكلتي مزيون
07-03-2006, 22:59
عبودي1 يعطيك العافيه
وانتظر الباقي]

عابــر
08-03-2006, 09:18
الغالي عبودي واصل نحن بالإنتظار ..
تحياتي ،،

معكم معكم
09-03-2006, 19:59
الحلقة السابعة ... ابطت علينا ياعبودي ...


وتسلم ..

القبطان سلفر
09-03-2006, 21:50
عبودي يخرب بيتك يااخي

وينك

عبودي 1
11-03-2006, 08:39
سنوات صدام ـ الحلقة السابعة

إكرامية لكاوندا وبقشيش لحبري، مئة لقاء تسفر عن العجز عن فهم لغز شخصية صدام

في السبعينات كان صدّام قد بدأ يستقطب حوله بعض «الزبائن» الأفارقة. فقد صار جزء من الريع النفطي يُعاد ضخُّه في هذه البلدان النامية، في شكل مساعدات مباشرة أو استثمارات. وقد موّل صدّام، مثلاً، العديد من المشروعات الزراعية في موريتانيا، ذلك البلد الذي كان يُقيم علاقات تعاون وثيق مع بغداد، الأمر الذي أتاح لحزب البعث أن يمارس تأثيره على نواكشوط.

وفي 1987، وبعد أن أنهى للتو حواراً مع حسين صبري، وضع صدّام يده على كتفي وهو يقول لضيفه الإفريقي:

هذا الرجل الطيب سيُسلّمك هذا المساء مبلغاً بقيمة مليون دولار! لقد أذهلني أن أرى الرئيس وهو يوزّع مثل هذا المبلغ، وكأنه يوزّع بقشيشاً. لقد اكتشفت أن الهبة الإلزامية صارت «موضة» حكومية.

بقشيش ومرسيدس

مع غروب الشمس، قدم حميد حمّادي سكرتير الرئاسة وبيده شنطة المال، كنا واقفين أمام مدخل إقامة الأجانب، وكان أمر صدّام واضحاً: فأنا الذي أسلّم المبلغ لصاحبه، لم أكن أشعر بالراحة وأنا ألعب دور «المصرفي الخفي»، وسألني السكرتير:

- هل تريد أن تذهب إليه وحدك؟

- لا فرق عندي، وإن شئت أن ترافقني.

ودخلنا معاً، وسلّمتُ المليون دولار لحسين حبري. وفي اليوم التالي رافقه صدّام شخصياً إلى المطار بسيارته المرسيدس، وقد شكر له الزائر هديته السخية، فقال له الرئيس:

- لا شكر على واجب، سيصلك كل عام ما يعادل مليونا من الدولارات، لك ولمن حولك.

وكان قادة أفارقة آخرون، وآسيويون أيضاً، يستفيدون من هبات الرئيس العراقي. فقد كان صدّام يحب إظهار سخائه تجاه زعماء بلدان العالم الثالث، التي كان يسعى لأن يثبت تضامنه معها، فهي بالنسبة إليه وسيلة لشراء مساندتها له وولائها في داخل الهيئات الدولية، فكثيراً ما كان يذكّر بأن بلاده «زورق كبير» لا تهزه الرياح بفضل جوده وكرمه.

وقد كان حسن غوليد رئيس جيبوتي، مثلاً، يتلقى بانتظام مساعدة مالية لبلاده وله شخصياً. في المقابل لم يكن وفاء هؤلاء المستفيدين السعداء يخلو من عيوب ومن خلل. ففي 1990، وقبل بداية حرب الخليج، قرّرت البلدان العربية المجتمعة في قمة القاهرة دعم اللجوء إلى القوة لإرغام العراق على الانسحاب من الكويت. وعلى هذا النحو، انضمت هذه البلدان إلى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق.

وكان حسن غوليد، رئيس جيبوتي، قد عارض في اليوم نفسه هذا التحالف مع واشنطن، لكنه ما لبث بعد استراحة قصيرة ما بين الجلسات أن غيّر موقفه كلياً. وقد أذهل هذا الموقف المفاجئ أعضاء الوفد العراقي، الذين لم يستبعدوا أن يكون الكويتيون قد مارسوا ضغوطهم على غوليد. وقد سخط صدّام واغتاظ لهذا التحول بعد أن كان قد أعطاه مبالغ مالية هائلة في الماضي. وقد ظل صدّام يرغي بكلام غاضب عن «أخيه الجيبوتي»:

- أيّ نكرانٍ للجميل هذا... بعد كل الذي قدمته له!؟

وأحياناً كان بعض الرؤساء المفلسين يطلبون منه صراحة أن يتكفل بحاجاتهم الشخصية. ولم يكن ذلك يزعج صدام على الإطلاق، فقد كان عن طيب خاطر يلبي طلباتهم ويُغدق في العطاء. ولم يكن يتردّد في أن يسحب من صندوقه 000,50 أو 000,100 000,200 من الدولارات السائلة حتى يساعد هذا أو ذاك الرئيس.

وحتى عهد قريب، تلقى الملقب ب«غاندي الأسود» وأبي استقلال زامبيا (العام 1964) كنيث كاوندا، الكثير من المال من صدّام حسين. ففي شهر نوفمبر 2002 وجواباً وعلى سؤال وجهه إليه الرئيس أثناء استقبال بالقصر الرئاسي عن أحواله، ردّ كنيث عليه قائلاً:

- على غير ما يرام، ففي بلدي نسي الناس أنني رئيسهم، كان عندي سائق وسيارة وظيفية، لكنني الآن بلا سيارة ولا سائق!

فردّ عليه صدّام قائلاً:

- كيف هذا وأنت رجل الاستقلال في بلادك تجد نفسك الآن محروماً؟ لا تقلق فإني لن أدعك ولن أتخلى عنك!

وعلى إثر ذلك الاستقبال منحه صدّام 000,200 دولار، وفقاً للاجراءات المعهودة. فقد سلّم عبد حمود أمراً مكتوباً لمصالح المحاسبة في بروتوكول الديوان. وبعد ذلك حمل أحد الموظفين المبلغ إلى إقامة كنيث كاوندا. وكان رئيس زامبيا السابق قد شرح أثناء المحادثات بأن شخصين من أقاربه كانا قد أنشآ شركة بترولية ويطلبان تسهيلات للتعامل مع العراق، وقد رحب صدّام بالطلب من دون أي تردّد.

وقد عاد كنيث كاوندا إلى بغداد في فبراير 2003، وعند مغادرته لصدّام قال له:

- سيدي الرئيس، إنّي أعرفُ أن بلادكم تمر بمرحلة صعبة، لكن وضعيتي المالية في حالة من التدهور، وأنا في حاجة للمزيد من المال.

وخيل إليّ أنني رأيت في عيني صدّام شرارة من السخط، لكن صدام ما لبث أن التفت إلى عبد حمود سائلاً إياه:

- عبد، كم أعطيناه في المرة الأخيرة؟

- 000,200 دولار، سيدي الرئيس!

- أعطوه 000,100 هذه المرة!

كان صدّام مضرب المثل في الجود والسخاء من الخزانة العراقية، فكل من يلتقي به لا يمكن أن يرجع صفر اليدين. ومع ذلك فقد كانت تدهشني عنايته الفائقة تجاه كنيث كاوندا. وقد روى لي عبدالله السر الذي كان يربط ما بين الرجلين، ففي نهاية السبعينات سئل الرئيس الزامبي بشيء من الوقاحة أثناء مؤتمر صحافي:

- يقال إن علاقات صداقة تربطكم بصدام حسين.. إنه مع ذلك رجل دكتاتوري.

فغضب كنيث كاوندا واحتدّ لذلك، وردّ على ذلك الصحافي:

- صدام حسين رجل دولة، وحين يرد ذكره على لسانك فإنه خليق بك أن تستعمل الألفاظ الملائمة. فالرئيس صدام حسين ليس سائقاً، وإن تماديت في شتمه فاغرب عنّي!

وقام الأمن بطرد ذلك الصحافي. وقد أكد لي علي عبدالله أن صدام قد علم بالحادثة، فتوطدت بذلك صداقته مع كنيث كاوندا. وكان ذلك أيضاً سمة من سمات شخصيته. فقد كان يرافق الرئيس الزامبي السابق حتى سيارته وينتظر حتى ينطلق السائق فيحييه بيده،.فقد كان يخص «أصدقاءه» بهذا الاحترام من أمثال أحمد بن بيللا، رئيس الجزائر الأسبق كما كان يخص بهذا الاحترام أيضاً ضيوفاً مميزين من أمثال كوفي عنان. وفي العادة يُحيي صدَّام ضيوفه في قاعة الاستقبال وكنّا نخرج من دونه.

في الغرب كثيراً ما يشاع أنّ أنصار القضية العراقية من أمثال جانيت لوبان، زوجة الزعيم اليميني الفرنسي، أو النائب العمالي البريطاني جورج غالوي قد استفادوا من الهبات نفسها، فالأمر واردٌ بالفعل، لكنني لا أملك أي دليل مباشر على ذلك. كان صدّام يهوى الإبهار، فكلما زاره رئيس أجنبي حرص على أن يقدّم هدية لزوجته، فتبعاً لمرتبة الضيف وأهميته أعدّ البروتوكول أنواعاً مختلفة من الساعات السويسرية الذهبية ولا سيما «الرولكس» أو «البيجايه».

والوزراء ورؤساء الوفود لم يكن لهم الحق سوى في الماركات الأقل سحراً وجاذبية، وكثيراً ما كان السجاد الشرقي الفاخر يقدَّم كهدايا أيضاً. كان صدّام يحب المغالاة في الحديث، وكان يسعى دائماً للتحكم في نبرات صوته، فقد كان يجد في أحاديثه الخاصة من الراحة ما لا يجده في أحاديثه العامة، وهو محاط بجهاز أمني صارم.

وكان إذا قام بزيارة مدينة من المدن حرص على أن يحيي الجمهور تحية سريعة من شرفة دار البلدية أو المدرسة قبل أن يغادر المكان. وتعود آخر أطول خطبة إلى نهاية السبعينات، أثناء الإعلان عن «الميثاق الوطني» وهو البرنامج السياسي الذي يتضمن العلاقات الدولية وتسوية الصراع بالسبل السلمية.

في المناسبات الرسمية، كان صدّام يلقي خطبه بصوت خفيض رتيب خال من كل حماسة، وكان أحياناً يتعثر في الكلمات، وكأنه يقرأ النص لأول مرة. في هذا السياق كان أصدقائي كثيراً ما يقولون لي:

- ليس هو الذي يكتب خطبه، فهو بالضرورة يستعين بمساعدٍ يُعدّ له ما يشاء من خطب!

وكنت في كل مرة أحاول أن أفنّد ظنونهم:

- أؤكد أن صدّام يكتب خطبه بنفسه، فقد صحّحنا هذا النص في المكتب الصحافي.

ناهيك عن أن صدام كان ضعيف النظر، ولذلك كنا نطبع نصوصه بالأحرف الكبيرة. فالصفحة الواحدة لم تكن تتضمن أكثر من خمسة أسطر.

كان صدام في لقاءاته الخاصة يسعى للتأثير على محدثيه. فقد كان يستعمل جاذبيته الكاريزميه حتى يفرض الاحترام والإقناع من دون اللجوء إلى أسلوب التعالي. وعلى عكس ملك المغرب حسن الثاني ملك المغرب، لم يستقبل يوماً أي صحافي أو ضيف من على منصّته، فقد كان بروتوكوله دائماً غاية في البساطة.

في الغرفة الخلفية كان زواره يسألونني قبل الالتقاء به كم سيستغرق اللقاء من وقت، فكنت اردّ عليهم دوماً:

- ليس ثمة قواعد ثابتة، فأنتم ضيوف الرئيس، واعلموا أنه لن يفرض أحد حدّاً لزمن اللقاء، فقد يستغرق حديثه معكم ساعات كاملة.

نكات صدام

كان صدام يعشق المزح والطرفة سعياً منه لتلطيف الأجواء. لم تكن نكتتهُ المفضّلة ظريفة بالضرورة، فكثيراً ما كان يروي قصة جندي مع راعٍ كردي: ذات مرة سأل الجندي الراعي كيف يُطعم غنمه، فردّ عليه ذلك الرجل الريفي قائلاً: «إني أُطعمهم قمحاً!»، فغضب الجندي وقال: «كيف يمكنك أن تعطي قمحاً لخرافك بينما الشعب يموت جوعاً؟!»، وبعد أن أشبعه ضرباً وعده الراعي بأنه سيغيّر طعام قطيعه.

وبعد مرور بعض الوقت جاءه جندي آخر وسأله السؤال نفسه، فردّ عليه الراعي بأنه يطعمها أرزاً! فغضب هذا الجندي أيما غضب وقال له: «كيف يمكنك أن تطعم غنمك أرزاً والشعب يموت جوعاً؟» وبعد أسبوع جاءه جندي ثالث، فبادره الراعي في وجل قائلاً بعد أن حفظ الدرس: «إني أعطي لغنمي نقوداً لتشتري بها ما طاب لها من السوق». خلال حواراته وأحاديثه، إذن، كان صدّام يبدي الكثير من الظرف وبعض المجاملة.

وشتان بين هذه الصورة وبين صورة الرجل صاحب القبضة الحديدية الذي يهابه الشعب ويخشاه! فقد كان أصدقائي يسألونني كيف تطيق العمل مع مثل هذا الطاغية؟ فكنت أوضح لهم أنّ صدّام في علاقاته معي كان لطيفاً ودوداً، ولكنهم لم يكونوا يصدقون، ظناً منهم أنني لا أجرؤ على انتقاد «معلّمي» خوفاً من انتقامه منّي.

ولا شك أن هذه الشخصية المزدوجة كانت لغزاً بالنسبة لي، فالرجل في الحياة الخاصة كان سخياً ودوداً، أما في الحياة السياسية فقد كان يبسط الرعب على كل البلاد، ولا يتوانى عن سحق كل من يعارضه. ولذا كنت أعيش في تناقض دائم، فقد كانت الصحافة الدولية تشبهه بالغول وكنت أراه دائماً هادئاً ولطيفاً بشوشاً. كان الخارج والعراقيون يخشون فيه طاغية دموياً، بينما كنت أنا أحتك برجل مهذّب مجامل.

كنت وأنا أعمل معه أقدّر جانبه البسيط، المباشر، فكثيراً ما كان يقول لي، مقاطعاً الحديث مع محدثه:

- سمان! اشرب شايك قبل أن يبرد!

خلال هذه اللقاءات، كنت أحمل في جيبي منديلاً حتى أمسح به جبيني من العرق، فأنا كثير التعرّق في الأجواء الحارة. فالقاعات التي كان صدام يستقبل فيها زوّاره لم تكن مكيفة لأنه كان يعاني من آلام في الظهر. وحين كانت قطرات العرق تسيل على وجهي كان صدّام يلحظها فيأمر مصالح الأمن بأن ترفع مستوى التكييف.

بمناسبة زيارة حسين حبري للعراق العام 1987، أقام صدّام مأدبة على شرفه في أحد القصور، وكانت طاولة الأكل على شكل الحرف «يو» الإنجليزي. وكان البروتوكول قد وضع الكرسي الخاص بي في داخل هذا «اليو». كان صدّام وصبري يأكلان إلى جانبي، وكانت أطباق الأكل تتوالى بلا انقطاع. ولما كان يصعب عليّ أن أخدم نفسي بنفسي فقد جاءني أحد الخدم بطبقٍ كبير به تشكيلة كاملة من الطعام. كان صدام وصبري إلى جانبي، وكنت أترجم ما كان يجري بينهما من كلام، لكن صدّام ما لبث أن نادى رئيس التشريفات قائلاً له:

- لماذا لا يأكل مترجمنا كما نأكل نحن؟ إعلمْ أنه أيضاً واحدٌ من ضيوفي!

فورات الغضب

لكنّ ذلك لم يكن يمنع صدّام من أين يدخل أحياناً في فورات من الغضب الشديد، فقد كان إذا قرّر شيئاً لا يطيق أن يتأخر تنفيذ أوامره على وجه السرعة أو أن يُساء فهم هذه الأوامر. فأثناء زيارة حبري بالذات، كان قد طلب من مساعديه أن يرافقوا القائد التشادي إلى الفاو المدينة المحرّرة آنذاك. وقد حرص على أن يضع طائرة مروحية تحت تصرفه لكي يحلق فوق المدينة المدمّرة.

في اليوم التالي عندما عاد حبري من جولته في تلك المقاطعة، سأله صدّام قائلاً:

- هل حلقت فوق الفاو؟

- لقد ذهبنا إلى المكان بالسيارات.

فاستشاط صدام غضباً، واستدعى مدير التشريفات.

- هل يجب أن أقوم بكل شيء بنفسي؟ ألم أقل لكم بأن تنقلوا ضيفي بالمروحية؟ لماذا لا تطيعون أوامري؟ وغمغم مدير التشريفات ببعض كلمات الاعتذار، وهو يتلقى تأنيبات الرئيس بلا أي اعتراض. وأحب أن أقرّ هنا أنني أتحمل قسطاً من المسؤولية في هذه الحادثة، فقد اعطى صدّام الأمر داخل السيارة الرئاسية بحضور الرئيس التشادي وأحد الحرّاس، وكنت قد ترجمت أوامر الرئيس، لكن لا أحد نقل المعلومة إلى البروتوكول، فقد كان عليّ أن أتكفل بتلك المهمة.

كانت بعض الموضوعات تغرقه حتماً في أسوأ حالات الغضب، على نحو ما حدث ذات مرة مع الكاردينال أشيل سيلفستريني، المبعوث الخاص للبابا يوحنا بولس الثاني في منتصف التسعينات. كانت العقوبات الدولية قد بدأت بعواقبها المأساوية تنعكس على الشعب العراقي. ساعتها اقترح هذا المبعوث على صدّام أن يعترّف بدولة اسرائيل كمؤشر للإرادة الطيبة الدالة على أن العراق يرغب في تطبيع علاقاته مع المجتمع الدولي.

فأثار ذلك حفيظة صدّام، الذي راح يعنّف ويوبّخ محدثه قائلاً:

- إن ما تقترحونه علينا يخالف مبادئنا. إن ما نعانيه من آلام تحت الحصار لن يثني عزيمتنا، فاعلموا أنني رجلٌ صاحب مبادئ، وكان عليكم أن تتحروا أمري قبل لقائكم بي! عند نهاية هذا اللقاء الصاخب، أعطى الرئيس الأمر لسكرتيره الصحافي بنشر فحوى هذا اللقاء. ولم يكن هذا الأسلوب معهوداً. ففي العادة كانت مصالح الرئاسة تنشر بياناً مقتضباً يشير إلى أن صدّام قد استقبل هذه الشخصية أو تلك للحديث عن تطوير التعاون ما بين الطرفين أو في موضوعات ذات اهتمام مشترك، أما الفحوى الدقيق للمحادثات فقد كان يظل سرّاً خفياً.

وبصفتي شاهداً على الحادثة كُلّفِتُ بتحرير محضر المحادثات، الذي أرسل فيما بعد إلى وسائل الإعلام. أما حول الصراع الإسرائيلي العربي، فقد كان لصدّام ردود أفعال غاية في الحساسية، فقد كان يرى أن أي تنازل عن القضية هو بمثابة استسلام مُذلٍّ وقد ظل هذا الموضوع من التابوهات حتى النهاية. وفي مناشداته للمقاومة ضد المحتل الأميركي، التي كان يوجهها للعراقيين بواسطة الأشرطة الصوتية، لم يهمل مرّة الإشارة إلى النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.

بعد حرب 1991 بقليل، وبينما كان يوزّع الأوّسمة على العساكر، اشتكى له أحد الضباط من مصاعب الحياة اليومية، ثم قال:

- لعل الأفضل لنا أن نكون أكثر مرونة تجاه اسرائيل، فطالما ظلت مواقفنا في هذا الشأن بهذا القدر من الصرامه فسوف نظل نعاني أسوأ العواقب، لماذا نكون أقل مرونة من الفلسطينيين أنفسهم؟!

ولم يكن ليقبل صدّام بهذا التجاوز، فراح يوبّخ هذا «الجبان» بعنف شديد:

- كم أنا نادم على منحك هذا الوسام! هل هكذا تشكرني على هذا الوسام؟ هل يعقل أن يخرج من هذا الصدر المزيّن مثل هذا الهذر والسخف؟! كيف تجرؤ على مصالحة الصهيونية؟ وفي بداية التسعينات، تلقى مسؤول كبير في حزب البعث هو الآخر درساً من الصعب أن ينساه، فقد اقترح فكرة غريبة لملء خزائن الدولة:

- سيدي الرئيس، إننا نملك موارد يمكن أن تساعدنا في التغلب على مصاعبنا، لماذا لا نبيع الذهب الذي يغلّف قبب مساجدنا؟

لم ينله من ردٍّ على هذا السؤال سوى ضربٍ شديد انهال عليه من صدّام الذي استشاط غضباً:

- كيف لك أن تفكر في التخلص من تراثنا الديني؟ أنت لست جديراً بمنصبك!

قليل من شخصيات النظام من كانت تجرؤ على انتقاد الرئيس. ومع ذلك، فقد كانت بعض هذه الشخصيات من أمثال نزار حمدون تنتقد الرئيس بالفعل، بل وقد ذهب ممثل العراق لدى منظمة الأمم المتحدة، الذي توفي في يوليو 2003 بعد إصابته بالسرطان، في انتقاده للرئيس أبعد ممّا كان يحق له، فبعد هروب حسين كامل العام 1995، وجّه هذا الممثل رسالة إلى صدّام من سبع صفحات.

وقد حملت صراحة أقواله التي بلغت درجة المساس بالذات الوطنية بما يثير الذهول حقاً. فقد راح هذا السفير ينصح صدّام بمزيد من الانفتاح على العالم الخارجي، وبتجريد المجتمع من السلاح، وإلغاء الصفة العسكرية عنه قائلاً:

- إن زيك العسكري لم يعد له ما يبرّره لأنّ الحرب قد انتهت، فهي تعطي الانطباع بأننا نُعِدُّ لصراع جديد. فالزي المدني سوف يطمئن العراقيين والمجتمع الدولي إلى نواياك السلمية، كل شيء صار رمزياً.

في رسالته هذه انتقد نزار حمدون أيضاً السلطات المفرطة التي منحها صدّام لصهره الخائن والذي وصفه بـ «الطفل المدلّل». هذه الرسالة وردّ الرئيس عليها نوقشا خلال اجتماع لمجلس قيادة الثورة، الذي كان كل أعضائه يساندون صدّام. وقد ردّ هذا الأخير طبقاً لملاحظات «رفاقه» في مجلس قيادة الثورة. وقد وبخ صدّام سفِيره من حيث الشكل أكثر مما وبخّه من حيث موضوع الرسالة. فقد أخذ عليه كتابته الرسالة على حاسوب كان يمكن أن يقع في فخّ وكالة الاستخبارات الأميركية: «إذا كان لديك شيء تريد أن تقوله فقد كان من الأفضل أن تكتب رسالتك بخط اليد وترسلها عن طريق الحقيبة الدبلوماسية أو أن تأتي إلي وتبلّغني الرسالة مشافهةً».

مع رفاقي في الرئاسة اعتقدنا أن نزار حمدون قد صار «مذموماً» من صدّام، وأنه سيّسحب على الفور من منصبه في نيويورك، لكن المفاجأة الكبرى أنه لم يعد إلى بغداد إلا بعد ثلاث سنوات، في شهر فبراير 1998 بمناسبة زيارة كوفي أنان الذي جاء لتسوية أزمة القصور الرئاسية.

ولم تتعرض له مصالح الأمن بأي مساءلة، وعاد مطمئن البال إلى منصبه في الأمم المتحدة. وفي نهاية المطاف تخلى صدام عن زيه العسكري في مناسبات لم تكن تبرّر ذلك السلوك.

تشدد وتساهل

إذا كان نزار حمدون قد تجرأ على هذا النحو على انتقاد صدّام، فذاك لأن صداقة طويلة ظلت تربط بين الرجلين منذ زمن بعيد. فقد ناضلا معاً في صفوف حزب البعث منذ العام 1963، وظننت على أي حال أن مثل هذه الرسالة، حتى ما بين «الرفاق»، لا يمكن أن تظل بلا عقاب، لكنيّ كنت على خطأ في هذا الظن، فقد كان صدّام يعرف كيف يكون حليماً كريم النفس.

وقد كان بوسع صدّام أن يكون في آن متشدّداً ومتساهلاً، فأي غلطة أو خطأ لا يؤديان بصاحبهما بالضرورة إلى المشنقة أو إلى سجن أبو غريب المشؤوم كما تبين لي ذلك في مناسبات كثيرة.

بعد حرب الخليج عام 1991، أصدر صدّام أوامره بعقد أول مؤتمر عام لحزب البعث، الذي أطلق عليه اسم «مؤتمر الجهاد وإعادة التعمير». وعلى مدى أسبوع كامل رحنا نعمل في المكتب الصحافي ليل نهار من أجل إعداد خطابه المطوّل ووثائق الندوة، فقد كان الخطاب وحده يمتد على مدى ستين صفحة.

لكن صدام ما لبث ليلة المؤتمر أن غير الخطاب رأساً على عقب، فلم نجد بدّاً من أن نعيد كل شيء من الصفر. عند منتصف الليل قلتُ لعبد الجبار محسن، السكرتير الصحافي في تلك الفتره إننا قد لا نتمكن من إنهاء العمل في الوقت المحدّد، من طباعةٍ وتصحيحات وتصوير ألف نسخة لمجموع المشاركين في المؤتمر.

في نهاية الأمر طُبع نصُّ صدّام على مطابع جريدة «القادسية»، لكنْ عند قراءته أمام المؤتمرين توقف صدّام فجأة وراح يرشق بنظراته السكرتير الصحافي الذي كرّر صفحة وأهمل أخرى! وكم أدهشنا صدّام حين جاء بعد بضعة أيام يزورنا في المكتب الصحافي، وكانت تلك أوّل مرة تطأ فيها قدماهُ هذا المكان.

كانت مكاتبنا غير مرتّبة، وقد ازدحمت فيها الأوراق من كل الأشكال. وبدلاً من أن يُوبّخنا ويعنّفنا جاء لكي يرفع معنوياتنا ويشجعنا. وقد ظل يتحدث مع عبدالجبار محسن نحو عشر دقائق، ثم صافحني وحيا بقية الموظفين تحية ودٍّ وإخاءٍ. وعند مغادرته المكتب قال لنا:

- إنّ من يعمل كثيراً قد لا ينجو من الأخطاء!

لقد كانت شخصية الرئيس عقدة حقيقية من المتناقضات، ففي ذاته كان يتعايش الأجود والأسوأ معاً. فعلى الرغم من نحو مئة لقاء شاركت فيها لم أفلح يوماً في فهم هذه الشخصية الغامضة فهماً كاملاً. من هذه اللقاءات هناك لقاء لم يُفصَح عنه إلى الآن، جمع ذات يوم ما بين صدام ومبعوث للرئيس الأميركي بيل كلينتون، وهو مثال على هذا التعقيد.

فقد قرّر صاحب البيت الأبيض الجديد أن يعيد الاتصال بصدام، فأرسل إلى بغداد سرّاً عن طريق طارق عزيز واحداً من مقربيه الأصدقاء. قبل اللقاء أراني الرجل صوراً يظهر فيها إلى جانب بيل كلينتون، ولم يخف عليّ هدف الزيارة وهو يحمل نوعاً من الشهادة موقعة بخط الرئيس الأميركي:

- لقد جئت لأنقل تحيات الرئيس كلينتون للرئيس صدّام حسين. وعلى مدى الزمن الذي استغرقه الانتظار في الغرفة الخلفية، راح هذا الزائر الموقّر يروي قصصاً غريبة. وقد أوصيته في حذر أن لا يدع لسانه يزلّ بالمزح أثناء الحديث مع الرئيس:

- إن المزحات غالباً ما يصعُب ترجمتها، وإن هي لم تُضحك الرئيس فقد يصير الموقف مزعجاً!

وخلال اللقاء شرح الأميركي للرئيس، إجمالاً، أن الرئيس الأميركي الجديد على استعداد لفتح صفحة جديدة في العلاقات الاميركية العراقية، والانطلاق من جديد على أسس من الصداقة وعلى قواعد جديدة. ففي رأيه أن كل الاحتمالات كانت قائمة وممكنة، ولم يقدّم أي اقتراحات ملموسة، ولمْ يشر إلى رفع عقوبات الأمم المتحدة، ولم يذكر أي برنامج زمني محدّد، بل جاء ليضع المعالم الأولى للحوار ويمدّ إليه يد بيل كلينتون.

لكن كم أدهشني الرئيس المتعاظم، الذي ظل غير متأثر بهذه اللفتة، واكتفى بالعودة إلى أفكاره الثابتة: عظمة العراق وحضارته الخالدة وشعبه الأبي الشجاع. وقد روى كفاحاته الخفية في حزب البعث في الستينات والتقائه بطارق عزيز، ولم يحاول في أي لحظة أن ينتهز الفرصة المتاحه ولا أن يجيب عن طلب كلينتون.

وبعد خروجي من الحوار، عبّرتُ عن أسفي صراحة لعلي عبدالله، فقد أضاع صدّام فرصةً هائلة، ترى ما الذي جعله يدير ظهره لهذا المنعطف الجديد؟ أأزعجه كون أن مبعوث البيت الأبيض ليس شخصية رسمية؟ إني أشك في ذلك، طالما أنّ صدّام يفضّل الاتصالات الشخصية على المداولات الرسمية، وقد فهم كلينتون هذا الجانب من شخصية صدّام.

في الواقع كان صدّام يخشى «بيع» نفسه للأميركيين، فالتصرف بعنادٍ كان مسألة شرف بالنسبة إليه، فلم يكن صدّام يشك في كون أن كلينتون لو كان حقاً صادقاً وجادّاً في إرادته في إعادة بناء الجسور مع العراق، لكان أرسل مبعوثين آخرين، ولم يدرك صدّام ان رئيس دولة أول قوة في العالم حين أرسل إليه على عجل صديقاً شخصياً، يكون قد قام ببادرة قوية تكاد تكون مذلّة. ورفض صدّام لليد الممدودة إليه تشهد على عدم فهم قاتل للعالم الخارجي.

وبينما كان صدّام يتوقع وصول اشارات أميركية جديدة اعتبر كلينتون الملف مطويّاً، ففي رأيه لم يعد ثمة شيء يمكن انتظاره من الرئيس العراقي. وفي منتصف التسعينات رفض كلينتون تمويل عمليات سرية لقلب النظام العراقي نظمتها وكالة الاستخبارات الأميركية بالتعاون مع المعارضة العراقية في المهجر.

وفي 1998لم يتردّد في شنّ عملية قطع رأس النظام «ثعلب الصحراء» وفي قصف البلاد أيضاً، وقبل سنوات كان يرفض أن «يباع»، لكنّ صدام ما لبث أن صار نهائياً غير قابل لأن «يُشترى» من جديد.

يتبع

آسف حبيبي
11-03-2006, 13:22
ابوعدي pb189 pb189

بانتظارك عبودي bp039

حبرُ قلم
11-03-2006, 14:08
متابعين
جميل ان نرى سقوط الطغاة جميل



:rolleyes:

الحمــدللـه ؛

الذي أحيانا لنرى سقوط أحد الكلاب الذين قتلوا وظلموا وتجبروا ؛

عبودي 1
11-03-2006, 14:31
اخوي حبر وقلم
فيه موضوع ثاني اشفوا غليلكم فيه على صدام حسين

حبرُ قلم
11-03-2006, 14:36
:rolleyes:

bp039

انـتظرته
12-03-2006, 04:00
يعطيك العافيه
تحياتي لكل عربي ومسلم غيور
وكلنا صدام حسين حفظه الله وفك اسرهpb189 pb189 pb189
دمت