الرجل الغريب
29-04-2001, 12:50
<FONT COLOR="Blue">إلى الغريب .. حيا .. وحيا ..
جاءت رسالتك المحملة بالكتب لتبعث بي ـ لتبعث بكائن مضه الحزن ـ الفرح ..
جاءت هكذا .. أخي الغريب أيضا .. هناك مكان يبعث بالفرح .. يحي الرأي والرأي الآخر .. يعيد لك الأمل .
أخي .. هل مازلت بعيدا عن ( الأنترنت ) إنه مكان يعيد ولادة حلمك من رحمه .
لقد دعاني صديقي الذي حدثتك عنه أبو عبدالله للمنتدى .. وأصبحت أمر عليهم لألقي السلام .. فيمنحوني الأمل .
إن استطعت أن تدخل .. هذا عنوانهم .. ( www.eqla3.com (http://www.eqla3.com) ) ثمة منتدى اسمه الجادة ستجد ما تريد .. كذلك هناك موقع مرتبط به اسمه ( جسد الثقافة ) إنه طفل بدأ ينموا سريعا .
سيعجبك أقسم سيعجبك .
التاريخ 2001/4/20
######
اليوم 2001/4/28 السبت قدمت إجازة اضطراري .. قلت فيها أبي متعب وربما يموت .. وافق المدير ليس تعاطفا بل أخافه سماع الموت .. ولم ينتبه أن أبي مات منذ زمنٍ بعيد .. ودفن وأنا بعيد .. وحارس المقبرة في الرياض طردني قائلا بفظاظة .. أعرف أنك تريد أن تنام أيها المشرد .. حتى المقابر ترفضني يا غريب .
كنت فرحا .. وأنا أنتظر أمام المحطة أنتظر الحافلة القديمة لتقلني لعروس البحر فهي الأقرب لقرية الموتى .
حتى ذاك النادل صاحب الملابس القذرة انتبه لفرحي .. ( صديق أنت أول مرة في يفرح ) .. لقد تركت له جزءَ من فرحي .. تركت له باقي ( الخمسين ريال ) .. بعد أن أحضر لي كوب الشاي وصحن الفول الذي يشبه ملابس النادل .
كانت الحافلة أشبه بالفرح المسروق وهي تطل بصوتها قبل جسدها .. ركبت سريعا .. وما اكترثت لخبث النادل وهو يردد ( صديق أنت في شوف حبيبه ) .
مشينا عشرين على الرمال قبل أن نركب الثعبان الأسود الممتد إلى عروس البحر ( جدة ) .. كانت يدي قابضة على جيبي القريب من قلبي القابض على رسالتك وعناوين الفرح .. ومقالي .. مقالي الذي كان من المفترض أن ينشر قبل عشر سنوات .. كنت سأصبح كاتبا جيدا كما قالت لي سحابتي الأخرى قبل أن ترحل وتمطر على أرضٍ لا زرع فيها .
قلت سأكتبه لهم .. لأغيظ رئيس التحرير الذي كتب على ورقة استقالتي .. ( لا مانع من قبول استقالة هذا الحمار ) .
استقالتي التي قدمتها غضبا لرفضه مقالتي قائلا : ( الجمهور يبغى كذا ) .
سألته من قال لك هذا ؟ .. لماذا تريدهم هكذا .. لقد تعلمت أن الصحافة علم التوجيه .. ألا تعرف هذا ؟
ضحك ساخرا .. وهو يلقي نصائحه ( يا أبني شوفلك شغل ثاني أنت ما تنفع ) ، ثم طردني من مكتبه .
كانت أحلامي تختلط مع غبار الطريق .. قلت لنفسي .. سأضع لهم مقالي الذي تأخر عشر سنوات .. وسأكتب الإهداء إلى رئيس التحرير ( الحمار ) .. خجلت من نفسي .. ومسحت كلمة ( حمار ) من حلمي .
وبدأت أتابع اللوحات .. لأول مرة أتابع اللوحات .. جدة 120 كم ـ جدة 110 كم ـ جدة .. يا عروس البحر لِمَ أصبحتِ تبتعدين عن الغرباء ؟
وصلت مساءً .. ركبت ( الليموزين ) .. ( صديق أنت فين يبغى ؟ ) .
باغتني سؤاله .. فأنا لا أعرف وجهتي .. هل لاحظت يا غريب .. ؟
أصبحت مدننا يعرفها الغرباء .. فيما مدننا تتنكر لأبناءها .
ـ ( يا غريب .. أريد محل أنترنت ) .
ـ ضحك وقال بلغة عربية حطمها قبله أهلها ( أنت يبغى يشوف صور أيش ؟ ) .
لم أفهمه .. ربما لأني انتبهت أن يدي اليمنى بعيد عن جهة القلب .. جهة الجيب .. جهة رسالتك والعناوين والمقال الذي تأخر نشره عشر سنوات .. جهة الحلم .
######
</FONT c>
<FONT COLOR="Red">قال الفلبيني : ( صديق الساعة أتناشر ريال ) .
كنت سأدفع له أكثر لو قال ذلك .
سحبت المقعد وأنا أحاول تذكر كيفية التعامل مع الكمبيوتر .. لقد مضى عشر سنوات على فراقنا .. وشهادة الدبلوم في البرمجة لم يبق منها سوى ورقة تؤكد أن صاحبها كانت له علاقة مع هذا الصندوق .
أصدقك القول لولا ما يكتب وما أتابعه في الشاشة المضيئة لما عرفت التعامل معه .
تذكرت .. ضغطتنا ويفتح لك عالم جديد .. حركت ( الماوس ) بارتباك .. أحييت مكان الموقع كما أحييت أنت حلمي .
( www.yahoo.com (http://www.yahoo.com) ) .. لا ليس هذا هو العنوان .. أخرجت الورقة ولم أنتبه لتلك العيون التي راحت تتلصص علي .. لم يصلني صوت ذاك الذي يهمس لصديقه ( أظن معه موقع ….. ) غابت الكلمة الأخيرة مع صوت آخر يصرخ .. ( صديق جيب في هنا كوبتشينو ) .. لكم هو مؤلم أن لا نحترم لغتنا .
قررت أن أغيب كل من في المحل لم أعد أنصت إلا للحلم .. فيما عيني تتنقلان بين الورقة والشاشة المضيئة
( www.eqla3.com (http://www.eqla3.com) ) كانت جملة منتدى الجادة واضحة كالحزن .. بيد مرتبكة .. كيد عاشقٍ بريء يحاول عبثا لمس يد حبيبته ضغط ضغطتنا .. لم تكن الضغطتان موفقتا .. عاودت المحاولة مرة أخرى وكانت ناجحة .
لم أجد هناك سوى قضية ( عارضة الأزياء .. السعودية ) .. وكل من هناك إلا من رحم ربي .. راح يتحدث عن الفضيلة .
ترى يا غريب ..
هل يعلموا أن سؤال ( ما هي الفضيلة ) غبي ؟
حاولت أن أكتب لهم أن الفضيلة يعرفها المساجين ..
حاولت أن أقول لهم علينا أن نسأل أنفسنا .. كيف نسلك طريق الفضيلة ؟
قلت هذا السؤال سيصيبهم بالحزن .. بالندم .. والحزن والندم إجابة أولى للسؤال .
لكن المسمى ( سيرفر ) أعتذر لي بأدب ( أنت لست منهم ) عليك أن تسجل .
بحثت طويلا .. ووجدت المكان كان الشرط الوحيد في مدينتكم يا غريب .. أن يقتل الغرباء لغتهم .. ولكن ما الذي سيبقى منكم يا غريب .
وافقت على مضض رغم أني لن أقتل لغتي .. صفحة أخرى تقول .. أكتب عنوانك .
يا الله .. ترى ألا يعرفون أن الغرباء بلا عنوان .
رميت برأسي إلى الخلف .. كدت أن أبكي لولا عيني الذي لم أسمع الكلمة الأخيرة من جملته وصديقه .
انحنيت لأنهض .. يا لحقارة الدنيا لا تجعلنا ننهض إلا بعد أن ننحني .
وقعت عيني على الجسد .. جسد الثقافة .. صفعت جبيني بيدي عقابا لذاكرتي .. كيف كدت أن أنسى ؟ .
مرة أخرى رحت أبحث .. لكن الجهاز أغلق .
صرخت : يا نادل .. فضحك الجميع .
انتابني الخجل .. في القرية كلمة نادل تجعل الآخرين يمنحوك احترامهم .. رحت أتأمل وجههم .. كانت باهتة .. ضحكاتهم محايدة .. لم تمنحني وجوههم الألفة والمحبة .. ( لعنة الله على الذين يرحلون دون أن يتركوا لنا شيئا ) .
جاء النادل .. همس بصوت مليء بالمحبة .. لا يفهم حزن الغرباء إلا غرباء .
ـ ( صديق ساعة خلص ) .
ـ دع الجهاز مفتوح لا تحدد لي الوقت .. ومددت له مائة ريال .
ـ ( أنت في يشرب حاجة ) .
ـ امنحني ماء يا غريب كما منحتني محبتك .
عادت الإضاءة للصندوق .. بيد أقل أرتبك .. ضغطتان لم تخطأ هذه المرة .. ألهذا ديني يقطع يد السارقة فالمرة الأولى كافية للتعود اليد السرقة .
اللون مائل للغبار .. كدت أن أسألك يا غريب لِمَ المثقفون يأكلون التراب في عالمنا العربي .
في أسفل الصفحة كتب أضغط هنا .
هي ذا صفحة جديدة رمادية اللون كتب عليها ( القصة القصيرة ـ الرواية ـ الخواطر ـ الشعر ـ الفن ـ الفكر والفلسفة ـ كشكول ـ وغرفتكم ) .
صفحة رمادية بدأت تصدأ يا غريب .. لم يكن هناك شيئا ينبض بالحياة سوى ( الفتاة السعودية عارضة الأزياء ) .
قلت سأقرأ موضوعا جادا يناقش القضية بتعقل .
فتحت الصفحة .. هيأ لي أن رئيس التحرير يمد ليس رأسه بل ولسانه .. وكأنه يقول : ( ما قلت لك يا حمار الجمهور يبغى كذا ) .
كدت أن أبكي .. لولا الموتى .. للموتى حرمتهم .
قرأت الفاتحة على مواضيعكم .. وعدت .
مرة أخرى ظهرت كلمة ( جسد الثقافة ) .. والجسد مقبرة الروح .
######
آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا غريب .. لِمَ كذبت علي .. كنت راضيا بوضعي .. قرية تعيسة .. وطريق معبد بالرمل فقط .. كي يتأكد المعنيون أن الربو لن يتركنا .
كنت راضيا .. أستيقظ في الصباح أقطع على قدمي خمسة كيلو مترات لأصل للمصلحة كي أدخل لمكتب الأرشيف الذي أنا مديره والموظف الوحيد به .. كل يوم آتي مصطحبا صديق الكتاب وأوراقي التي لا تخص العمل .. أوراقي التي هي رسائلي المرسلة مني إلي .. هكذا نحن يا غريب نكتب رسائل لنا كي لا نموت .
كنت قنوعا .. بالطاولة التي هي أقدم من عمري .. وذاك الكرسي الذي يجبرني أن لا أتحرك كثيرا ، فصوت صريره يجرح أذني .. حتى العلاوات لم أكترث لتأخرها .. فالمال لا قيمة له هنا .. في هذه القرية يكفيك أن تملك خيالا خصبا لتعيش .
لكم هو مؤلم حين يخدعنا من نحب .
######
</FONT c>
وماذا أيضا يا غريب ..
ها أنا أكتب لك مقالي الذي أجل نشره عشر سنوات .. أكتبه وأعلم أنه مات .. لكني لا أجيد دفن من أحب .. والورقة أصبحت صفراء مهترءة كحلمي .. والكلمات باتت تضيق من رائحة موت حلمي .. حتى الحلم عندما يموت يصيبه العفن .
أدفنه يا حزين وإن أستطعت فبجانب أبي .. قبر أبي نبت عليه ورد البنفسج
<center><FONT size="+2"><FONT COLOR="Black">سقط الجمهور .. فسقط كل شيء</FONT c></FONT s></center>
وسط أطلال حضارة تحيط بنا من المحيط إلى الخليج من الماء للماء .
يتبادر إلى أسماعنا أصوات طبول بدائية .. تُدق بطريقة مثيرة للغرائز .. يصاحبها صراخ شديد .. يصب في آذاننا كماء الحديد .. قيل أنه غناء .
إمعانا في الإثارة .. خلف هذا الصوت .. ولأمرٍ ما أيضا .. امرأة ترقص رقصة الإخصاب .
تتحرك وكأنها تعيد ذكرى مضت .. ذكرى الأسواق القديمة .
وفيما يستمر الصراخ تأفل النجوم .. فلقد سمح للمرضى بأن يمشوا على صراط الجمال .
من خلال هذه الصورة يبدو لنا أن الأغنية لا تشكوا من وعكة طارئة فقط .. إنما تعاني من أمراض عديدة مختلطة تتجلى أعراضها في حالة الضعف كما تتجلى في حالات التفاهة والتقزم والسقوط .
عندما نمعن النظر فيما قيل ويقال بحثا عن هذا الجرثوم المسبب لهذا المرض .. تتراءى لنا وجهات نظر ثلاث .
أولها :
أن الشعراء الأميون لا ينظمون أية مقولات فلسفية ولا أية أطروحات جديدة .
فهم لا يخاطبون الشجر والأرض والخبز والصدأ .. والأم والوطن .
إنما يلجئون لمخاطبة الغرائز .. الغرائز فقط .
وثانيهما :
تتحدث عن مطربين يملكون من المال الكثير والثقافة القليل .
أصبحوا بين عشية وضحاها رواد الفن .
وثالثهما :
أولئك الملحنون وحالتهم المشابهة لتلك الأسطورة التي تقول : ( إن عازف ناي وقف يوما في حضرة كهل حكيم وبث إليه شكواه .. قال : يا سيدي حين أغترب واعزف للناس لا ألقي قبولا .. ساعدني .
أجابه الحكيم .. لأن أنفاسك الطيبة تغادرك يا بني ) .
هي ذا ألحانهم الطيبة تغادرهم أيضا .
وهكذا .. في إطار هذا الثالوث المتهم .. وإذا سلمنا بأنه المسؤول الوحيد عن سقوط الفن ، فإننا نخطوا الخطوة الأولى نحو الالتباس .
فمع اقتناعي التام بهذا الثالوث المشكلة .. أتساءل وأنا أحمل بذور الشك في سؤالي :
من صنع هؤلاء ؟
وإن اتفقنا منعا للجدل أن الصدفة وحدها هي المسؤولة عن وجودهم .
فمن المسؤول عن بقائهم ؟
ثم لِمَ هم ينتشرون في كل مكان يروجون للأغنية الساقطة التي ؟
وكيف أفسر شراء ملايين الكاسيتات لأغاني ( ولعها ولعها .. شعللها شعللها ) و ( لولاكي ) و ( دي دي ) و ( بطل شغل اللبط ) ؟
إلا أن هؤلاء المستهلكين الطيبين متواطؤن مع مروجي هذه الأغاني .
أليس هذا الجمهور المحايد .. والمهمش لنفسه الذي كان يردد : ( إذا الشعب يوما أراد الحياة ……) هو المسؤول عن وعيه الضائع والمضيٌع .
أليس هذا المستهلك المعترض على الرداءة والفجاجة والسذاجة والغباء في الفن .. هو نفسه الذي يذهب لاقتناء هذه الأغاني .
خلاصة القول .. ألا يحق لي أن أقول وبحزن جديد :
سقط الجمهور .. فسقط الفن .. وكل شيء .
1991/10/10
ملاحظة : يا غريب قد تلاحظ أن الأغاني المنتقاة قديمة .. أعذرني المقال قديم والحزن مازال جديد .
أخوك الذي مات حلمه مرتين .
######
إضاءة ..
كتبت البداية بالأزرق كالحلم .. ونزف صديقي بالدم .. ومقاله بالأسود حزنا على موت حلمه ..
ولكن لماذا لا تبكون ..؟
ليس عليه .. بل علينا .
التوقيع : ربما هو أيضا
جاءت رسالتك المحملة بالكتب لتبعث بي ـ لتبعث بكائن مضه الحزن ـ الفرح ..
جاءت هكذا .. أخي الغريب أيضا .. هناك مكان يبعث بالفرح .. يحي الرأي والرأي الآخر .. يعيد لك الأمل .
أخي .. هل مازلت بعيدا عن ( الأنترنت ) إنه مكان يعيد ولادة حلمك من رحمه .
لقد دعاني صديقي الذي حدثتك عنه أبو عبدالله للمنتدى .. وأصبحت أمر عليهم لألقي السلام .. فيمنحوني الأمل .
إن استطعت أن تدخل .. هذا عنوانهم .. ( www.eqla3.com (http://www.eqla3.com) ) ثمة منتدى اسمه الجادة ستجد ما تريد .. كذلك هناك موقع مرتبط به اسمه ( جسد الثقافة ) إنه طفل بدأ ينموا سريعا .
سيعجبك أقسم سيعجبك .
التاريخ 2001/4/20
######
اليوم 2001/4/28 السبت قدمت إجازة اضطراري .. قلت فيها أبي متعب وربما يموت .. وافق المدير ليس تعاطفا بل أخافه سماع الموت .. ولم ينتبه أن أبي مات منذ زمنٍ بعيد .. ودفن وأنا بعيد .. وحارس المقبرة في الرياض طردني قائلا بفظاظة .. أعرف أنك تريد أن تنام أيها المشرد .. حتى المقابر ترفضني يا غريب .
كنت فرحا .. وأنا أنتظر أمام المحطة أنتظر الحافلة القديمة لتقلني لعروس البحر فهي الأقرب لقرية الموتى .
حتى ذاك النادل صاحب الملابس القذرة انتبه لفرحي .. ( صديق أنت أول مرة في يفرح ) .. لقد تركت له جزءَ من فرحي .. تركت له باقي ( الخمسين ريال ) .. بعد أن أحضر لي كوب الشاي وصحن الفول الذي يشبه ملابس النادل .
كانت الحافلة أشبه بالفرح المسروق وهي تطل بصوتها قبل جسدها .. ركبت سريعا .. وما اكترثت لخبث النادل وهو يردد ( صديق أنت في شوف حبيبه ) .
مشينا عشرين على الرمال قبل أن نركب الثعبان الأسود الممتد إلى عروس البحر ( جدة ) .. كانت يدي قابضة على جيبي القريب من قلبي القابض على رسالتك وعناوين الفرح .. ومقالي .. مقالي الذي كان من المفترض أن ينشر قبل عشر سنوات .. كنت سأصبح كاتبا جيدا كما قالت لي سحابتي الأخرى قبل أن ترحل وتمطر على أرضٍ لا زرع فيها .
قلت سأكتبه لهم .. لأغيظ رئيس التحرير الذي كتب على ورقة استقالتي .. ( لا مانع من قبول استقالة هذا الحمار ) .
استقالتي التي قدمتها غضبا لرفضه مقالتي قائلا : ( الجمهور يبغى كذا ) .
سألته من قال لك هذا ؟ .. لماذا تريدهم هكذا .. لقد تعلمت أن الصحافة علم التوجيه .. ألا تعرف هذا ؟
ضحك ساخرا .. وهو يلقي نصائحه ( يا أبني شوفلك شغل ثاني أنت ما تنفع ) ، ثم طردني من مكتبه .
كانت أحلامي تختلط مع غبار الطريق .. قلت لنفسي .. سأضع لهم مقالي الذي تأخر عشر سنوات .. وسأكتب الإهداء إلى رئيس التحرير ( الحمار ) .. خجلت من نفسي .. ومسحت كلمة ( حمار ) من حلمي .
وبدأت أتابع اللوحات .. لأول مرة أتابع اللوحات .. جدة 120 كم ـ جدة 110 كم ـ جدة .. يا عروس البحر لِمَ أصبحتِ تبتعدين عن الغرباء ؟
وصلت مساءً .. ركبت ( الليموزين ) .. ( صديق أنت فين يبغى ؟ ) .
باغتني سؤاله .. فأنا لا أعرف وجهتي .. هل لاحظت يا غريب .. ؟
أصبحت مدننا يعرفها الغرباء .. فيما مدننا تتنكر لأبناءها .
ـ ( يا غريب .. أريد محل أنترنت ) .
ـ ضحك وقال بلغة عربية حطمها قبله أهلها ( أنت يبغى يشوف صور أيش ؟ ) .
لم أفهمه .. ربما لأني انتبهت أن يدي اليمنى بعيد عن جهة القلب .. جهة الجيب .. جهة رسالتك والعناوين والمقال الذي تأخر نشره عشر سنوات .. جهة الحلم .
######
</FONT c>
<FONT COLOR="Red">قال الفلبيني : ( صديق الساعة أتناشر ريال ) .
كنت سأدفع له أكثر لو قال ذلك .
سحبت المقعد وأنا أحاول تذكر كيفية التعامل مع الكمبيوتر .. لقد مضى عشر سنوات على فراقنا .. وشهادة الدبلوم في البرمجة لم يبق منها سوى ورقة تؤكد أن صاحبها كانت له علاقة مع هذا الصندوق .
أصدقك القول لولا ما يكتب وما أتابعه في الشاشة المضيئة لما عرفت التعامل معه .
تذكرت .. ضغطتنا ويفتح لك عالم جديد .. حركت ( الماوس ) بارتباك .. أحييت مكان الموقع كما أحييت أنت حلمي .
( www.yahoo.com (http://www.yahoo.com) ) .. لا ليس هذا هو العنوان .. أخرجت الورقة ولم أنتبه لتلك العيون التي راحت تتلصص علي .. لم يصلني صوت ذاك الذي يهمس لصديقه ( أظن معه موقع ….. ) غابت الكلمة الأخيرة مع صوت آخر يصرخ .. ( صديق جيب في هنا كوبتشينو ) .. لكم هو مؤلم أن لا نحترم لغتنا .
قررت أن أغيب كل من في المحل لم أعد أنصت إلا للحلم .. فيما عيني تتنقلان بين الورقة والشاشة المضيئة
( www.eqla3.com (http://www.eqla3.com) ) كانت جملة منتدى الجادة واضحة كالحزن .. بيد مرتبكة .. كيد عاشقٍ بريء يحاول عبثا لمس يد حبيبته ضغط ضغطتنا .. لم تكن الضغطتان موفقتا .. عاودت المحاولة مرة أخرى وكانت ناجحة .
لم أجد هناك سوى قضية ( عارضة الأزياء .. السعودية ) .. وكل من هناك إلا من رحم ربي .. راح يتحدث عن الفضيلة .
ترى يا غريب ..
هل يعلموا أن سؤال ( ما هي الفضيلة ) غبي ؟
حاولت أن أكتب لهم أن الفضيلة يعرفها المساجين ..
حاولت أن أقول لهم علينا أن نسأل أنفسنا .. كيف نسلك طريق الفضيلة ؟
قلت هذا السؤال سيصيبهم بالحزن .. بالندم .. والحزن والندم إجابة أولى للسؤال .
لكن المسمى ( سيرفر ) أعتذر لي بأدب ( أنت لست منهم ) عليك أن تسجل .
بحثت طويلا .. ووجدت المكان كان الشرط الوحيد في مدينتكم يا غريب .. أن يقتل الغرباء لغتهم .. ولكن ما الذي سيبقى منكم يا غريب .
وافقت على مضض رغم أني لن أقتل لغتي .. صفحة أخرى تقول .. أكتب عنوانك .
يا الله .. ترى ألا يعرفون أن الغرباء بلا عنوان .
رميت برأسي إلى الخلف .. كدت أن أبكي لولا عيني الذي لم أسمع الكلمة الأخيرة من جملته وصديقه .
انحنيت لأنهض .. يا لحقارة الدنيا لا تجعلنا ننهض إلا بعد أن ننحني .
وقعت عيني على الجسد .. جسد الثقافة .. صفعت جبيني بيدي عقابا لذاكرتي .. كيف كدت أن أنسى ؟ .
مرة أخرى رحت أبحث .. لكن الجهاز أغلق .
صرخت : يا نادل .. فضحك الجميع .
انتابني الخجل .. في القرية كلمة نادل تجعل الآخرين يمنحوك احترامهم .. رحت أتأمل وجههم .. كانت باهتة .. ضحكاتهم محايدة .. لم تمنحني وجوههم الألفة والمحبة .. ( لعنة الله على الذين يرحلون دون أن يتركوا لنا شيئا ) .
جاء النادل .. همس بصوت مليء بالمحبة .. لا يفهم حزن الغرباء إلا غرباء .
ـ ( صديق ساعة خلص ) .
ـ دع الجهاز مفتوح لا تحدد لي الوقت .. ومددت له مائة ريال .
ـ ( أنت في يشرب حاجة ) .
ـ امنحني ماء يا غريب كما منحتني محبتك .
عادت الإضاءة للصندوق .. بيد أقل أرتبك .. ضغطتان لم تخطأ هذه المرة .. ألهذا ديني يقطع يد السارقة فالمرة الأولى كافية للتعود اليد السرقة .
اللون مائل للغبار .. كدت أن أسألك يا غريب لِمَ المثقفون يأكلون التراب في عالمنا العربي .
في أسفل الصفحة كتب أضغط هنا .
هي ذا صفحة جديدة رمادية اللون كتب عليها ( القصة القصيرة ـ الرواية ـ الخواطر ـ الشعر ـ الفن ـ الفكر والفلسفة ـ كشكول ـ وغرفتكم ) .
صفحة رمادية بدأت تصدأ يا غريب .. لم يكن هناك شيئا ينبض بالحياة سوى ( الفتاة السعودية عارضة الأزياء ) .
قلت سأقرأ موضوعا جادا يناقش القضية بتعقل .
فتحت الصفحة .. هيأ لي أن رئيس التحرير يمد ليس رأسه بل ولسانه .. وكأنه يقول : ( ما قلت لك يا حمار الجمهور يبغى كذا ) .
كدت أن أبكي .. لولا الموتى .. للموتى حرمتهم .
قرأت الفاتحة على مواضيعكم .. وعدت .
مرة أخرى ظهرت كلمة ( جسد الثقافة ) .. والجسد مقبرة الروح .
######
آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا غريب .. لِمَ كذبت علي .. كنت راضيا بوضعي .. قرية تعيسة .. وطريق معبد بالرمل فقط .. كي يتأكد المعنيون أن الربو لن يتركنا .
كنت راضيا .. أستيقظ في الصباح أقطع على قدمي خمسة كيلو مترات لأصل للمصلحة كي أدخل لمكتب الأرشيف الذي أنا مديره والموظف الوحيد به .. كل يوم آتي مصطحبا صديق الكتاب وأوراقي التي لا تخص العمل .. أوراقي التي هي رسائلي المرسلة مني إلي .. هكذا نحن يا غريب نكتب رسائل لنا كي لا نموت .
كنت قنوعا .. بالطاولة التي هي أقدم من عمري .. وذاك الكرسي الذي يجبرني أن لا أتحرك كثيرا ، فصوت صريره يجرح أذني .. حتى العلاوات لم أكترث لتأخرها .. فالمال لا قيمة له هنا .. في هذه القرية يكفيك أن تملك خيالا خصبا لتعيش .
لكم هو مؤلم حين يخدعنا من نحب .
######
</FONT c>
وماذا أيضا يا غريب ..
ها أنا أكتب لك مقالي الذي أجل نشره عشر سنوات .. أكتبه وأعلم أنه مات .. لكني لا أجيد دفن من أحب .. والورقة أصبحت صفراء مهترءة كحلمي .. والكلمات باتت تضيق من رائحة موت حلمي .. حتى الحلم عندما يموت يصيبه العفن .
أدفنه يا حزين وإن أستطعت فبجانب أبي .. قبر أبي نبت عليه ورد البنفسج
<center><FONT size="+2"><FONT COLOR="Black">سقط الجمهور .. فسقط كل شيء</FONT c></FONT s></center>
وسط أطلال حضارة تحيط بنا من المحيط إلى الخليج من الماء للماء .
يتبادر إلى أسماعنا أصوات طبول بدائية .. تُدق بطريقة مثيرة للغرائز .. يصاحبها صراخ شديد .. يصب في آذاننا كماء الحديد .. قيل أنه غناء .
إمعانا في الإثارة .. خلف هذا الصوت .. ولأمرٍ ما أيضا .. امرأة ترقص رقصة الإخصاب .
تتحرك وكأنها تعيد ذكرى مضت .. ذكرى الأسواق القديمة .
وفيما يستمر الصراخ تأفل النجوم .. فلقد سمح للمرضى بأن يمشوا على صراط الجمال .
من خلال هذه الصورة يبدو لنا أن الأغنية لا تشكوا من وعكة طارئة فقط .. إنما تعاني من أمراض عديدة مختلطة تتجلى أعراضها في حالة الضعف كما تتجلى في حالات التفاهة والتقزم والسقوط .
عندما نمعن النظر فيما قيل ويقال بحثا عن هذا الجرثوم المسبب لهذا المرض .. تتراءى لنا وجهات نظر ثلاث .
أولها :
أن الشعراء الأميون لا ينظمون أية مقولات فلسفية ولا أية أطروحات جديدة .
فهم لا يخاطبون الشجر والأرض والخبز والصدأ .. والأم والوطن .
إنما يلجئون لمخاطبة الغرائز .. الغرائز فقط .
وثانيهما :
تتحدث عن مطربين يملكون من المال الكثير والثقافة القليل .
أصبحوا بين عشية وضحاها رواد الفن .
وثالثهما :
أولئك الملحنون وحالتهم المشابهة لتلك الأسطورة التي تقول : ( إن عازف ناي وقف يوما في حضرة كهل حكيم وبث إليه شكواه .. قال : يا سيدي حين أغترب واعزف للناس لا ألقي قبولا .. ساعدني .
أجابه الحكيم .. لأن أنفاسك الطيبة تغادرك يا بني ) .
هي ذا ألحانهم الطيبة تغادرهم أيضا .
وهكذا .. في إطار هذا الثالوث المتهم .. وإذا سلمنا بأنه المسؤول الوحيد عن سقوط الفن ، فإننا نخطوا الخطوة الأولى نحو الالتباس .
فمع اقتناعي التام بهذا الثالوث المشكلة .. أتساءل وأنا أحمل بذور الشك في سؤالي :
من صنع هؤلاء ؟
وإن اتفقنا منعا للجدل أن الصدفة وحدها هي المسؤولة عن وجودهم .
فمن المسؤول عن بقائهم ؟
ثم لِمَ هم ينتشرون في كل مكان يروجون للأغنية الساقطة التي ؟
وكيف أفسر شراء ملايين الكاسيتات لأغاني ( ولعها ولعها .. شعللها شعللها ) و ( لولاكي ) و ( دي دي ) و ( بطل شغل اللبط ) ؟
إلا أن هؤلاء المستهلكين الطيبين متواطؤن مع مروجي هذه الأغاني .
أليس هذا الجمهور المحايد .. والمهمش لنفسه الذي كان يردد : ( إذا الشعب يوما أراد الحياة ……) هو المسؤول عن وعيه الضائع والمضيٌع .
أليس هذا المستهلك المعترض على الرداءة والفجاجة والسذاجة والغباء في الفن .. هو نفسه الذي يذهب لاقتناء هذه الأغاني .
خلاصة القول .. ألا يحق لي أن أقول وبحزن جديد :
سقط الجمهور .. فسقط الفن .. وكل شيء .
1991/10/10
ملاحظة : يا غريب قد تلاحظ أن الأغاني المنتقاة قديمة .. أعذرني المقال قديم والحزن مازال جديد .
أخوك الذي مات حلمه مرتين .
######
إضاءة ..
كتبت البداية بالأزرق كالحلم .. ونزف صديقي بالدم .. ومقاله بالأسود حزنا على موت حلمه ..
ولكن لماذا لا تبكون ..؟
ليس عليه .. بل علينا .
التوقيع : ربما هو أيضا