تقرير وفاة :
المملكة العربية السعودية
وزارة الصحة
مستشفى الملك فيصل التخصصي
التاريخ / 16/10/1426
الاسم : عادل محمد
الجنسية : سعودي
الجنس : ذكر
العمر : 27
أُحضر المذكور اعلاه الى قسم الطوارئ بالمستشفى الساعة 17:00 وقد فارق الحياة، يرتدي تي شيرت أبيض عليه نقوش ملونة وبنطلون ازرق جينز، تبين بعد الكشف عليه أنه تعرض لأربع طلقات نارية في أعلى الصدر، جميعها اخترقت القفص الصدري وخرجت من أعلى و وسط الظهر، يوجد خدوش في الوجه وأنحاء متفرقة من الصدر والبطن، جرح قطعيّ في الفم، وقدمه اليمنى مبتورة.
سبب الوفاة : يحدده الطبيب الشرعي
ختم المستشفى
---------------------------
أنا عادل محمد.. احمل في يدي اليمنى شهادة وفاتي من مستشفى معتمد وفي يدي اليسرى بركة دم تدفقت للتو من هذا الثقب في صدري، لايوجد شعور أفضع من أن تحمل ورقة تثبت موتك، وانت - بحالتك وهيئتك- لاتحتاج ابداً لاثبات ذلك.
سارعت أمي بتطهير الجرح قبل أن يتخثر الدم على يدي وصدري.. تطهره أولاً بدموعها ثم بحنان لايجيده غيرها.. تدعي على نفسها كعادتها كلما أصابني مكروه: (جعل لي السم اللي يتلف قلبي) هذا الدعاء الذي أكرهه واستلذ به.. الدعاء الذي لم اسمح لها يوماً أن تكمله.. قالته كاملاً اليوم.. رددته مراراً.. هي تكرره إمعانا في تصوير توجعها مما حدث لي.. ولكنها تمعن في تعذيبي حين تتلذذ– عن غير قصد- بعجزي عن مقاطعتها.. تلفّ "الشاش" على ماتجد من جسدي.. ثم تغادر
(عندما مت لأول مرة )
كنت دائماً اقول ان اي حدث جديد او قدر يحدث لك ويحدد امرا في حياتك.. قد يحدث لكل انسان وان عدم تقبلك له في البداية هو امر طبيعي و وارد سينتهي بمجرد التعود عليه واقناع نفسك بأن التغيير والتجديد امر مطلوب و حيوي.. و لكن كيف لشابٍ مثلي ان يتقبل فكرة العيش بقية حياته بشهيقين وزفير، و قد خسر قدمه اليمنى و ثلاثة أرباع فمه
لا اعلم مالذي حدث بالضبط .. اعلم اني كنت مشوهاً جدا، لا بل كنت ميتاً جداً حين وجدوني مستلقٍ على سريري.. انسان بنصف جسد.. تعلن الدولة انني ميت.. ويصر ابي على استنتاجه بأني حاولت الانتحار.. وتقسم امي أن هناك من قتلني.. واقسم لهم جميعا ان كل ذلك لايهمني.. و لاينصتون
******
في مدينتنا.. الرجال كلهم مرضى مصابون بداء مزمن لا اسم له.. يتلمسون الأدوية بعشوائية في صيدليات مظلمة، يتم إدخالهم إليها وقد عُصبت أعينهم.. و يختار كل منهم علاجه معتمداً على حظه أولا، ثم على خبرته في تلمّس العلب والقوارير.. بعضهم يفعل ذلك بطريقة شرعية "وصفة" تلزمه بذات الدواء ويمضي عمره يتعاطاه حتى يقضي أحدهما على الأخر.. والبعض يختار موته بيده بطريقة غير شرعية غير آبهٍ بتحذير الأطباء أو المحاذير الشرعية.. او حتى الأعراض الجانبية للدواء.. وهي التي غالبا تكون مميتة.. بل مخزية
كنتُ من الصنف الأخير.. كما اخبرني أخي لاحقاً.. بدون تفاصيل
تم اغتيالي في جريمة شرف..
أوصلني لمنزلها وانا بكامل أناقتي.. انتظرني في الخارج.. تفاجأ بزوجها يخرجني بقايا انسان..
تدبر اخي من معارفه بالمستشفى ورقة تثبت موتي انقاذا لما تبقى مني.. و تدبر أيضاً بالكثير من الأوراق المزورة مسألة العفو.. لئلا تكون الأضرار أكثر من ذلك..
أعادني الى البيت ثم انكر أي صلة له بما حدث.
في مدينتنا.. جرائم الشرف حرب مقدسة.. لا أحد يميز بين أن تُقتل بسبب نظرة عابرة او تقتل بسبب خلوة مخطط لها.. في كلا الحالتين سيقتلك الـ(أبضاي).. وستدرج الجملة "قتله دفاعاً عن شرفه" في كل محاضر القضية وتوسلات العفو عنه.. أما أنت فلك الميتة المخزية.. والعار الذي جلبته على أهلك.. وستتحدث الصحافة عن قتل "ذئب بشري" آخر، هذا الوصف الذي أصبح مدعاة للسخرية.. ككل شيء في مدينتنا
في مدينتنا.. لا أحد يلوم الدواء إن فتك بك.. لا أحد يلوم الأنثى ان هي أغوتك.. ولا أحد يأبه ان كانت متواطئة معك في قضية النظرة/الخلوة تلك أم لا!.. فالذنب تتحمله أنت.. لا يمكن أن يتحمله أهلها واقاربها وجيرانها وسائقهم ومقص الأظافر الذي تستخدمه.. هو شرفها/ شرفهم.. و انت بنزوتك حاولت تدنيسه.. تستحق أن تموت على عددهم.. و هي لن تلام.. لن يجرؤ أحد حتى أن يسألها إن كنت تستحق ان تزهق روحك أم لا؟
غباء .. كل ما اقوله غباء.. و رواية اخي لايمكن تصديقها.. لم تكن لي علاقات من هذا النوع ولا أملك الشجاعة لاذهب لمنزل امرأة متزوجة.. كما ان استصدار شهادة وفاة من مستشفى حكومي وعفو من محكمة لاتتم بهذه البساطة!.. أتساءل: كيف يمكن لنا ان نصدق قصص و روايات نعلم في قرارة انفسنا انها لم تحدث، نصدقها ونوثقها بأحداث وافكار من وحي خيالنا.. كل ذلك لانها تعمق فينا الاحساس بالظلم.. او الألم؟
لم اهتم بحياتي كثيراً ، ولن اهتم لموتي.. ولكن آخر ماينقصني الآن هو رواية كاذبة للحظاتي الأخيرة
( بعد بضع ميتات)
أكره كلمات الأسف والاعتذار .. تماما كما اكره كلمات الشكر.. فالأولى تلغي بكل بساطة و برود الذنب الذي ارتكب بحقك.. والثانية بنفس البساطة والبرود.. تلغي معروفك
بكل بساطة يعلنون أن عملية اقتحام منزلنا.. وتفجير اركانه.. كانت خطأ في تقدير احد المسؤولين.. استلم أبي ورقة اعتذار عن ماحدث.. و تعويضات مقابل ماتهدم من منزله ومني.. و مقابل اقناعي بأني ميت.. و استلم أيضاً ورقة تسلم بيد الشهيد شخصياً.. فيها خطاب شكر على تضحياته يتضمن تهديدا مبطنا يحذر من أي نية لحياة!... اتساءل.. كيف لرجل أبله أن يقحم مسمى "الدولة" لردم حماقاته.. ويجعلها خصما لخصومه؟.. واتساءل.. كم هو المبلغ المدفوع في مثل هكذا مصالحة؟.. وهل المال وحده هو كل ماحصل عليه والدي مقابل كل هذا، أم ان كلمات الشكر المنتقاة بعناية كانت ضمن بنود الاتفاق؟.. ثم اتوقف عن التساؤل لئلا ألغي كل شيء لمجرد انني افكر..
******
في مدينتنا.. نعيش وفق نماذج مبنيّة مسبقاً.. مجبرون على ان نكون امام خيارات محددة.. النتائج المترتبة عليها مرسومة ومعروفة.. لذا فإن يومياتنا ومواقفنا عبارة عن دوامات متكررة تحدث لنا جميعاً.. ويحدث أن تكون الخيارات المتاحة أمامك هي: إما ان تفعل هذا برضاك أو ان تفعله وانت غير راض
في مدينتنا.. انت لاتملك قائمة بما يجب ان يتوفر فيك لتستحق العيش.. لايوجد معايير جسدية أو فكرية او حتى نفسية لتضبط نفسك بحدودها.. و لكي لاتتعب نفسك وتتعب غيرك.. كن على قناعة انك لاتستحق العيش، فهذا الترف لاتستحقه وبالطبع لن تهنأ به.. مدينتنا فتاة مدللة، ملولة.. تعشق التجديد وتعشق ارتجال قوانين غنجها ودلالها.. وأنت كالملايين غيرك من عشاقها المنسيين.. لكم الله
تعلن الدولة انني ميت.. و بتواطؤ من أبي تتم المصالحة.. و امي لاتعرف شيئاً من هذه التفاصيل.. و لا أنا... رواية أخرى عن حياتي/ موتي رواها هذه المرة صديق مقرب.. يقسم على حقيقتها.. وكل شيء حولي يقسم انه كاذب.. ولا أصدقه.. بعض الحقائق لاتحتمل التصديق لفرط عبثيتها.. تمام كالخرافات التي لا يصدقها أحد لانها واقعية أكثر من اللازم
حين تختلف الروايات حول موتك.. تتمنى لو تعود لحظاتك الأخيرة لتعيشها بكامل تفاصيلها، توثق أحداثها, وربما.. لتكتب رسالة قصيرة لشخص ما.. أما حين تختلف الروايات حول نجاتك من الموت فستتمنى حتماً لو ان الحدث لم يمح أحداثه من ذاكرتك، لتعرف مالذي أنقذك فتحفظ معروفه.. أو تلعنه
يا الله.. كيف يمكن لحياة انسان بسيط ان تكون بهذا العبث.. وكيف يمكن لموته أن يكون بهذا الغموض؟
(قبل الميتة الأخيرة.. بقليل)
(الرجل لايحب بقلبه.. يحب بعينه و فمه ورقبته.. وأصابعه وفقرات ظهره... وأمام كل هذا التكتل لايملك القلب الا ان يذعن لتعاسة الحب) ستذكرين جملتي هذه.. ويساورك الشك بأنني لم اعد أحبك، فجسدي الذي أحبك.. و اجبر قلبي على حبك لم يعد هنا..
ها أنتِ اذن.. أتيتِ على حافة حياتي لتشاهدي الفصل الأخير من مسرحية اسمها عادل.. تكبدتِ عناء السفر كي لا تفوتي على نفسك مشاهدة البطل في اضعف حالاته.. ولا أعلم هل كان مجيئك لزيارتي لادء واجبك كقريبة.. ام أجبرتي على رؤيتي كما كنت ستجبرين - لولا ماحدث- على الزواج مني، أم انك تريدين فعلاً الاستمتاع بآخر سقطاتي.. واتساءل.. كيف ألقاك الآن و قد فقـَدت الأرض نصف خطواتي، وفقد الشيطان متعة الضحك على تثاؤبي!. كيف ألقاك الآن وانا اقل بكثير من الرجل الذي تعرفينه.. وأعرفه
في مدينتنا.. يحدث أن يجبر اثنان على الارتباط ببعضها.. و قد تم رسم كامل فصول حياتهما، ودراسة جدوى اتصالهما بكامل التفاصيل.. ابتداءا من النظرة الشرعية والتي تسبقها عشرات النظرات المرسومة - بمكر- على حائط الصدف، وليس انتهاءً بمكان الإقامة وأسماء الأطفال وجنسية الخادمة
******
أنا لم أفتن بجمالك كما تظنين..
في مدينتنا.. عاشق الجمال .. كالعاشق لطبيعة الأراضي الأوروبية وهو ممنوع من السفر.. يكتفي بما يسمعه من زوارها المحظوظين.. وتكرم الصور.. وفلاشات الذاكرة التي لم تصدق يوماً.
أنا لم أعشق جمالك الذي تراهنين عليه.. لم أعشق ذكائك الذي يفاخر به أباك.. ولا طيبتك التي تذكرها أمك دوما كتعويذة.. ولا أخلاقك التي يروي حولها اخوتك القصص والحكايات.. أنا عاشق من نوع فريد.. عاشق لانفعالاتك و ردود افعالك التي تميزك عن غيرك.. احب ارتباكك.. رعشة شفاهك.. ضحكتك الخجولة.. ونظراتك الساهية.. لم أحبك يوما كما يجب.. ولكنني أحببتك كما لم يحب أحدا أحد.. هكذا بجنون.. هكذا بعناد باندفاع بصفاقة.. و هذا ماجعلك تنفرين مني.. وجعل ابغض الأشياء بالنسبة إليك اسمي الأول
******
نعم هذا ماحدث لي، فعلت مافعلت حين تأكدت اننا مجبرون على ان نعيش حياة لا ترضيك.. لم يكن أمامي الا أن أصرخ بـ لا.. ولاءي هذه كانت أربع رصاصات في صدري.. و سقوط من أكثر المباني قربا من السماء.. اعتذر لك عن هذا الخطأ الغير مقصود، لقد حاولت جاهداً أن لايبقى مني مايحول دون سعادتك.. ولكنها ارادة الله
أحبك.. واقتل نفسي هربا منك.. تناقض لا يشبهه الا جنونك، فأنتِ تكرهينني.. و تبكين أسفا مما حدث لي، وهذا تحديدا ما اعشقه فيك.. تناقضاتك الشهية.. لم أذق طعما للحياة أشهى من سماع شهقاتك.. حين حادثتك متوسلاً قدومك.. وانا استشيظ شوقاً ولا استطيع الكلام.. وانت تبكين: رد علي تكفى.. عادل إنت حي؟!
طبعاً لا ياحلوة.. لست حيا بما فيه الكفاية.. انتحرت لأهبك حياة أجمل.. الرجل– ياحبيبة جسدي- قد يضحي بحياته في سبيل من يحب.. وهو الذي في حضرة الحب لايتفضل بابتسامة رضا.. او كلمة غزل.. حماقة توارث الرجال ارتكابها اسمها المنطقية.. فمن المنطقي أن تفعل شيئا عظيما لمن تحب.. وليس من المنطقي ان تقول عبارات لست مؤمناً بترتيب حروفها واختيار أوقاتها بعناية.. وهذا مالم يقنع النساء
كنتِ - كالعادة - أملي الأخير وملجأي من كل شيء.. و ألوذ إليك هارباً من تعاستي وحزني وسعادتي وكل مايطرأ على حياتي من مستجدات.. وكان قبولك لي بمظهري وشخصيتي هو اختباري الأخير لأعيش او لا أعيش. و ها أنت آتية.. تتعوذين من وعثاء السفر و كآبة المنظر.. تحملين هم رؤيتي.. وتأنيب ضميرك الحي.. و انا هنا مستلقٍ على جثة ضميري، أفكر كيف اكمل كذبة انتحاري.. وأحيك خيوطها كي لاتنفضح.. و اتساءل.. حين نكذب كذبة تُسعد من نحب.. أنستمر في كذبتنا اللذيذة، أم نفضح أمرنا أمامه.. فتحسب لنا الكذبة بحسنة والاعتراف بحسنة والخوف من ردة فعله.. بحسنة؟
سيناريوهات النجاة من الموت كثيرة.. نحن في كل يوم ننجو من موت.. وفي كل يوم تتضاءل ثقتنا في مناعتنا ضده، أما أنا فلم اعد اثق في شيء.. وحين كثر الكذب بخصوص ماحدث لي.. ولم أعلم سببا لكل هذا الغموض بدأت في الكذب كذلك.. فكل كاذب له غاية.. وانتِ غاية كل كذباتي
أنا هنا.. في أبعد زاوية عن عيون الشمس أترقب قدومك.. انسان بنصف جسد.. لم تجف دموع أمي ولا دمائي.. اتحسر على حياة لم اعشها وعلى موت لم افهم كنهه.. افكر فيك مادام مفعول المخدر في جسدي.. فإن هدأ ثارت اجزائي.. واختلطت دمائي بدموعي وأعضائي التي فقدت معالمها.. لتتشكل من جديد.. كل يوم بشكل مختلف.. علها تصل لأقل الاشكال كآبة.. ربما تحكمين لي بحياة
******
أتاني أخي قبل الموعد المحدد لتشريفكم منزلنا.. يخبرني ان الحقيقة تؤلم أكثر من أي كذبة مهما بالغنا في حياكة اوجاعها.. وأن الموت يمكن ان يكون أقسى وأشد وجعاً.. أخبرني أن حادث سيارة غيبك.. و غيب معك حقيقة لحظاتك الأخيرة.. لتعلن كل خلاياي احتجاجها على كل شيء.. وتضرب عن الحياة.. وتسقط شهادة وفاتي من يدي.. هي تحتاج فقط لتعديل بسيط، شطب تاريخ الوفاة الموجود وكتابة تاريخ اليوم
أبها ، الرياض
شوال 1426
* لن اتقبل أبداً ربط أي حدث او فكرة في القصة بشخصية الكاتب